المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٢
الدّين فإذا نطق به فهو صادق و إن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لأنّ الصدق ما أريد به لذاته بل للدّلالة على الحقّ و الدّعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه، نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا «كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا توجّه إلى سفر ورّى بغيره»[١]و ذلك لئلاّ ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد، و ليس هذا من الكذب في شيء و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ليس بكذّاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا» [١] و رخّص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع «من أصلح بين اثنين و من كانت له زوجتان و من كان في مصالح الحرب» [٢] و الصدق هاهنا يتحوّل إلى النيّة فلا يراعى فيه إلّا صدق النيّة و إرادة الخير فمهما صحّ قصده و صدقت نيّته و تجرّدت للخير إرادته كان صادقا و صدّيقا كيف ما كان لفظه ثمّ التعريض فيه أولى و طريقه ما حكي عن بعضهم أنّه كان يطلبه بعض الظلمة و هو في داره فقال:
لزوجته خطّي بإصبعك دائرة و ضعي الإصبع عليها و قولي: ليس هو هاهنا. و احترز بذلك عن الكذب و دفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدقا و أفهم الظالم أنّه ليس في الدار فالكمال الأوّل في اللّفظ أن يحترز عن صريح اللّفظ و عن المعاريض أيضا إلّا عند الضرورة، و الكمال الثاني أن يراعى معنى الصدق في ألفاظه الّتي يناجي بها ربّه كقوله «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» فإنّ قلبه إن كان منصرفا عن اللّه تعالى مشغولا بأماني الدّنيا و شهواتها فهو كاذب و كقوله «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» و قوله: أنا عبد اللّه فإنّه إذا لم يتّصف بحقيقة العبوديّة و كان له مطلب سوى اللّه عزّ و جلّ لم يكن كلامه صدقا و لو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله «أنا عبد اللّه» لعجز عن تحقيقه فإنّه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله و كلّ ما تقيّد به العبد فهو عبد له كما قال عيسى عليه السّلام: يا عبيد الدّنيا، و قال نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تعس عبد الدّينار تعس عبد الدّرهم و عبد الحلّة و عبد الخميصة» [٣] و سمّي كلّ من تقيّد
[١] في النهاية أي ستره و أخرجه البخاري و مسلم من حديث كعب بن مالك.
[١] أخرجه البخاري ج ٣ ص ٢٢٧ و مسلم ج ٨ ص ٢٨ من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
[٢] روى مسلم ج ٨ ص ٢٨ و الكليني نحوه عن الصادق عليه السّلام في الكافي ج ٢ ص ٣٤٢.
[٣] أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة و قد تقدم.