المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤
حتّى أنّ الرّجل قد يجاوز به حبّه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه و الذّبّ عنه و يخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه و متبوعه، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب و ليت شعري من يحبّ إمامه مثلا فلم يحبّه؟ و لم يشاهد قطّ صورته و لو شاهده ربّما لم يستحسن صورته فاستحسانه الّذي حمله على إفراطه في الحبّ إنّما لسيرته الباطنة لا لصورته الظاهرة فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا و إنّما يحبّه لصفاته الباطنة من الدّين و التقوى و غزارة العلم و الإحاطة بمدارك الدّين و انتهاضه لإفاضة علم الشرع و لنشره هذه الخيرات في العالم و هذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلّا بنور البصيرة فأمّا الحواسّ فقاصرة عنها. و تلك الصفات الباطنة ترجع جملتها إلى العلم و القدرة إذا علم حقائق الأمور و قدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير يتشعّب عن هذين الوصفين و هما غير مدركين بالحسّ و محلّهما من جملة البدن جزء لا يتجزّأ فهو المحبوب بالحقيقة و ليس للجزء الّذي لا يتجزّأ صورة و شكل و لون يظهر للبصر حتّى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال موجود في السير و لو صدرت السيرة الجميلة من غير علم و بصيرة لم يوجب ذلك حبّا فالمحبوب مصدر السير الجميلة و هي الأخلاق الحميدة و الفضائل الشريفة و ترجع جملتها إلى كمال العلم و القدرة و هو محبوب بالطبع و غير مدرك بالحواسّ حتّى أنّ الصبيّ المخلّى و طبعه إذا أردنا أن نحبّب إليه غائبا أو حاضرا حيّا أو ميّتا لم يكن لنا سبيل إلّا بالإطناب في وصفه بالشجاعة و الكرم و العلم و سائر الخصال الحميدة، فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه و لم يقدر أن لا يحبّه فهل غلب حبّ الصحابة و بغض أبي جهل و بغض إبليس لعنه اللّه إلّا بالاطناب في وصف المحاسن و المقابح الّتي لا تدرك بالحواسّ بل لمّا وصف الناس حاتما بالسخاء و وصفوا رجلا بالشجاعة أحبّتهم القلوب حبّا ضروريّا و ليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة و لا عن حظّ يناله المحبّ منهم بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل و الإحسان و إفاضة الخير غلب حبّه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبّين لبعد المزار و نأي الدّيار، فإذن ليس حبّ الإنسان مقصورا على من أحسن إليه