المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٣
فكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلّا بالنيّة لعلمهم بأنّ النيّة روح الأعمال و أنّ العمل بغير نيّة صادقة رياء و تكلّف و هو سبب مقت لا سبب قرب و علموا أنّ النيّة ليست هي قول القائل بلسانه نويت بل هي انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من اللّه تعالى قد يتيسّر في بعض الأوقات و قد يتعذّر نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدّين يتيسّر عليه في أكثر الأحوال إحضار النيّة للخيرات فإنّ قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبا و من مال قلبه إلى الدّنيا و غلبت عليه لم يتيسّر ذلك بل لا يتيسّر في الفرائض إلّا بجهد جهيد و غايته أن يتذكّر النار و يحذر نفسه عقابها أو نعيم الجنّة و يرغّب نفسه فيها فربّما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته و نيّته و أمّا الطاعة على نيّة إجلال اللّه عزّ و جلّ لاستحقاقه الطاعة و العبوديّة فلا يتيسّر للرّاغب في الدّنيا و هذه أعزّ النيّات و أعلاها و يعزّ من يفهمها فضلا عمّن يتعاطاها و نيّات الناس في الطاعة أقسام إذ منهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف فإنّه يتّقي النار، و منهم من يعمل إجابة لباعث الرّجاء و هو الرّغبة في الجنّة و هذا و إن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة اللّه و تعظيمه لذاته و لجلاله لا لأمر سواه فهو من جملة النيّات الصحيحة لأنّه ميل إلى الموعود في الآخرة و إن كان من جنس المألوف في الدّنيا، و أغلب البواعث باعث الفرج و البطن و موضع قضاء و طرهما الجنّة و العامل لأجل الجنّة عامل لبطنه و فرجه كالأجير السوء و درجته درجة البله و إنّه لينالها بعلمه إذ أكثر أهل الجنّة البله و أمّا عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر اللّه تعالى و الفكر فيه حبّا لجماله و جلاله و سائر الأعمال تكون مؤكّدات و روادف و هؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح و المطعوم في الجنّة فإنّهم لم يقصدوها بل هم «الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» فقطّ و ثواب الناس بقدر نيّاتهم فلا جرم يتنعّمون بالنظر إلى وجهه الكريم و يسخرون ممّن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعّم بالنظر إلى الحور العين ممّن يتنعّم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين بل أشدّ، فإنّ التفاوت بين جمال الحضرة الرّبوبيّة و جمال الحور العين أشدّ و أعظم كثيرا من التفاوت