المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٦
به من الوصول إلى شهواته، بل لم يزل علماء السلف يتفقّدون أحوال من يتردّد إليهم فلو رأوا من واحد منهم تقصيرا في نفل من النوافل أنكروه و تركوا إكرامه و إذا رأوا منه فجورا أو استحلال حرام هجروه و نفوه عن مجالسهم و تركوا تكليمه فضلا عن تعليمه لعلمهم بأنّ من تعلّم مسألة و لم يعمل بها و جاوزها إلى غيرها فليس يطلب إلّا آلة الشرّ و قد تعوّذ جميع السلف باللّه من الفاجر العالم بالسنّة و ما تعوّذوا من الفاجر الجاهل، فهذا و أمثاله ممّا يلتبس على الأغبياء و أتباع الشيطان و إن كانوا أرباب الطيالسة و الأكمام الواسعة و أصحاب الألسنة الطويلة و الفضل الكثير أعني الفضل من العلوم الّتي لا تشتمل على التحذير من الدّنيا و الزّجر منها و الترغيب في الآخرة و الدّعاء إليها بل هي العلوم الّتي تتعلّق بالخلق و يتوصّل بها إلى جمع الحطام و استتباع الناس و التقدّم على الأقران فإذن قوله عليه السّلام: «الأعمال بالنيّات» يختصّ من الأقسام الثلاثة بالطاعات و المباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد و تكون طاعة بالقصد و المباح ينقلب معصية و طاعة بالقصد فأمّا المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا، نعم النيّة داخلة فيها و هو أنّه إذا انضافت إليها قصود الخبيثة تضاعف وزرها و عظم وبالها كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة.
القسم الثاني الطاعات و هي مرتبطة بالنيّات في أصل صحّتها و في تضاعف فضلها أمّا الأصل فهو أن ينوي بها عبادة اللّه لا غير فإن نوى الرّياء صارت معصية و أمّا تضاعف الفضل فبكثرة النيّات الحسنة و إنّ الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكلّ نيّة ثواب إذ كلّ واحدة منها حسنة فتضاعف كلّ حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر و مثالها القعود في المسجد فإنّه طاعة و يمكن أن ينوي فيه نيّات كثيرة حتّى يصير من فضائل أعمال المتّقين و يبلغ به درجات المؤمنين أوّلها أن يعتقد أنّه بيت اللّه و أنّ داخله زائر للَّه تعالى فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده النبيّ عليه السّلام حيث قال: «من دخل[١]المسجد فقد زار اللّه عزّ و جلّ و حقّ على المزور
[١] في الاحياء «من قعد».