المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٢
القلب و ترى القلب إذا تألّم بعلمه بموت عزيز من أعزّته أو بهجوم أمر مخوف تأثّرت به الأعضاء و ارتعدت الفرائص و تغيّر اللّون إلّا أنّ القلب هو الأصل المتبوع فكأنّه الأمير و الرّاعي، و الجوارح كالخدم و الرّعاء و الاتباع، فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيها فالقلب هو المقصود و الأعصاب آلات موصلة إلى المقصود و لذلك قال عليه السّلام: «إنّ في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد» [١] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«اللّهمّ أصلح الرّاعي و الرّعيّة» [٢] و أراد بالرّاعي القلب قال اللّه تعالى: «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ» [٣] و هو صفة القلب فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح ثمّ يجب أن تكون النيّة من جملتها أفضل لأنّها عبارة عن ميل القلب إلى الخير و إرادته له و غرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعوّد القلب إرادة الخير و يؤكّد فيه الميل إليه ليفرغ من شهوات الدّنيا و يكبّ على الذّكر و الفكر، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض لأنّه متمكّن من نفس المقصود و هذا كما أنّ المعدة إذا تألّمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر و تداوى بالشرب و الدّواء الواصل إلى المعدة فالشرب خير من الطلاء للصدر لأنّ طلاء الصدر أيضا إنّما أريد به أن يسري منه الأثر إلى المعدة فما يلاقي في عين المعدة فهو خير و أنقع فهكذا ينبغي أن يفهم تأثير الطاعات كلّها إذ المطلوب منها تغيّر القلوب و تبدّل صفاتها فقطّ دون الجوارح فلا تظننّ أنّ في وضع الجبهة على الأرض غرضنا من حيث إنّه جمع بين الجبهة و الأرض بل من حيث إنّه بحكم العادة يؤكّد صفة التواضع في القلب فإنّ من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه و صوّرها بصورة التواضع تأكّد تواضعه، و من وجد في قلبه رقّة على يتيم فإذا مسح رأسه و قبّله تأكّدت الرّقة في قلبه و لهذا لم يكن العمل بغير نيّة مفيدا أصلا لأنّ من يمسح رأس يتيم و هو غافل بقلبه أو ظانّ أنّه يمسح
[١] متفق عليه من حديث نعمان بن بشير.
[٢] قال العراقي: لم أجده و قد تقدم.
[٣] الحج: ٣٨.