المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١
الأوّل عند كلّ حيّ ذاته و كمال ذاته و دوام ذلك كلّه و المكروه عند ضدّ ذلك فهذا هو أوّل الأسباب.
السبب الثاني الإحسان و إنّ الإنسان عبد الإحسان و قد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها و بغض من أساء إليها، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللّهمّ لا تجعل لفاجر عليّ يدا فيحبّه قلبي» [١] أشار إلى أنّ حبّ القلب للمحسن اضطرار لا يستطاع دفعه و هو جبّلة و فطرة لا سبيل إلى تغييرها و بهذا السبب قد يحبّ الإنسان الأجنبيّ الّذي لا قرابة بينه و بينه و لا علاقة، و هذا إذا حقّق رجع إلى السبب الأوّل فإنّ المحسن من أمد بالمال و المعونة و سائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود و كمال الوجود و حصول الحظوظ الّتي بها يتهيّأ الوجود إلّا أنّ الفرق أنّ أعضاء الإنسان محبوبة لأنّ بها كمال وجوده و هي عين الكمال المطلوب، فأمّا المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب و لكن قد يكون سببا له كالطّبيب الّذي يكون سببا في دوام صحّة الأعضاء ففرق بين حبّ الصحّة و بين حبّ الطبيب الّذي هو سبب الصحّة إذ الصحّة مطلوبة لذاتها و الطبيب محبوب لا لذاته بل لأنّه سبب للصحّة، و كذلك العلم محبوب و الأستاذ محبوب و لكنّ العلم محبوب لذاته و الأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب، و كذلك الطعام و الشراب محبوب و الدّنانير محبوبة لكنّ الطعام محبوب لذاته و الدّنانير محبوبة لأنّها وسيلة إلى الطعام فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرّتبة و إلّا فكلّ واحد يرجع إلى محبّة الإنسان نفسه فكلّ من أحبّ المحسن لإحسانه فما أحبّ ذاته تحقيقا بل أحبّ إحسانه و هو فعل من أفعاله لو زال ذلك زال الحبّ مع بقاء ذاته تحقيقا و لو نقص نقص الحبّ و لو زاد زاد و يتطرّق إليه الزّيادة و النقصان بحسب زيادة الإحسان و نقصانه.
السبب الثالث: أن يحبّ الشيء لذاته لا لحظّ ينال منه وراء ذاته، بل يكون ذاته عين حظّه و هذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الّذي يوثق بدوامه و ذلك كحبّ الجمال و الحسن فإنّ كلّ جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال، و ذلك لعين الجمال
[١] أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ و قد تقدم.