نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٧٩ - ١٢١ سخاء الأمير سيف الدولة
أن توصلاها إليه، و أخرج رقعة عظيمة، هائلة جدّا، فلما رأياها، قالا له: هذه عظيمة و لا ينشط الأمير أن يقرأها، فغيّرها، و اختصرها، وعد في وقت آخر، فإنّا نأخذها، و نوصلها إليه.
فقال: الذي أحبّ، أن تتفضلا بعرض هذه الرقعة.
فدفعاه عن ذلك، فقام كالآيس، يجرّ رجله، منكسر القلب، فداخلتني عليه رقّة.
و ركبت، فدخلت على سيف الدولة، و هو جالس، و كان رسمه، أن لا يصل إليه بتة، أحد، إلاّ برقعة، يكتبها الحاجب باسم من حضر، واحدا كان أو أكثر، فإذا قرأ اسم الرجل، فإن شاء دعا به، و إن شاء أمر بصرفه.
فلما استقررت، عرض عليه الحاجب، رقعة، فيها: فلان بن فلان الموصليّ، الضرير.
فقال: و هذا يعيش؟أين هو؟ فقال: بالباب.
قال: يدخل، فما أظنّه-مع ما أعرفه من زهده في الطلب-قصدنا إلا لجهد لحقه[١٤٨].
قال: فدخل، فإذا الشيخ الذي رأيته عند الصلحيّ و المغربيّ.
فلما قرب منه، استدناه، و بشّ به، و قال: يا هذا، ما سمعت بأنّا في الدنيا؟ما علمت مكاننا على وجه الأرض؟ما جاز لك أن تزورنا، مع ما بيننا من الحرمة الأكيدة، و السبب الوكيد؟لقد أسأت إلى نفسك، و أسأت الظنّ بنا.
قال: فجعل الرجل، يدعو له، و يشكره، و يعتذر، فقرّبه، و أجلسه.
فجلس ساعة، ثم قام، فسلّم إليه الرقعة بعينها، فأخذها، و قرأها