نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١٠ - ٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
طلب العراقيين، و أسنى لهم العطايا، فكثروا عنده، فبنوا له هذه الحجرة، و خدموه بهذه الآلات.
فكان يجلس لأهل المملكة في زيّهم، لئلا يشيع عليه مخالفتهم في الزيّ، و ينقص بين ملوكهم، فيهون أمره عندهم، و يجلس في خلواته هكذا.
فلما ولدت، أسلمني إلى العراقيين، و الهنديّين، فكلّموني باللغتين، فنشأت أتكلّم بهما، ثم أدّبني العراقيّون، و غلبوا عليّ.
فلمّا مات، سلّم الملك إليّ، فاتّبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة بزيّهم، و الانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزيّ.
قال: فقلت له: فما ذلك الذي تعلّقه في حلقك في الصرّة؟ فقال: هذه الصرّة، فيها عظم من عظام الرجل الذي جاء بعبادة البدّ [١]
و أقام هذه الشريعة لهم، و له كذا و كذا ألف سنة، و ذكر عشرات ألوف سنين.
و قال: إنّ[٩١]الرجل، لمّا مات، وصّى، بأن يجعل في تابوت، بعد تابوت، كذا و كذا ألف سنة، فما يزال، كلّما بلي شيء من عظامه، احتفظوا بالباقي، و نحّوا البالي، لئلاّ يسرع الفساد إلى الصحيح، إلى أن لم يبق منه إلاّ هذا العظم الواحد، فخافوا أن يبلى أيضا، فجعلوه في حقّ من ذهب، و جعلوهما في صرّة، و صارت الملوك تعلّقه في حلوقها، في خيط، تعظيما، و تبركا به، و تشرّفا بمكانه، و صيانة له عن البلى، فقد علّق في حلق كذا و كذا ملك، مدّة أيّام ملكهم كذا و كذا سنة، و ذكر أمرا عظيما، و قد صار عندنا كالبردة التي لصاحبكم [٢] ، يلبسها خلفاؤكم.
قال: فلما طال مقامي، و ضجرت، سألته الإذن في تسريحي، و أعلمته
[١] البد: كناية عن الصنم، و هي محرفة عن بوذا.
[٢] يعني النبي محمدا صلوات اللّه عليه.