نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - الشرح والتفسير التكليف حين الفتنة
القتل والقمع والتظاهر بالإيمان إن اقتضت الضرورة واعطاء الأمان لبعض الأفراد ومن ثم ضرب كل هذه الأمور عرض الحائط، ثم أشار الإمام عليه السلام إلى وظائف الناس في ظل هذه الفتن والإرباكات فأورد خمس تعليمات لأصحاب الحق فقال في وصيّته الأولى:
«فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَأَعْلَامَ الْبِدَعِ»
إشارة إلى اعتزال هذه المعركة الخطيرة دون التعاون مع رؤوس الفتنة وأصحاب البدعة.
والوصية الثانية:
«وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ»
والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة إشارة إلى ضرورة الالتزام بالقوانين والتعاليم الشرعية التي تضمن طاعة اللَّه وبقاء المجتمع الإسلامي ورعايتها قدر المستطاع في ظل نشوب الفتن، ذلك لأنّه إن كان هنالك من سبيل للنجاة من الفتنة إنّما يتمثل في الالتزام بهذه التعاليم، والكلام يشمل بالطبع التعاليم الإسلامية الواردة بهذا الخصوص من قبيل الجمعة والجماعة والحج والتكافل الاجتماعي، وهي الأمور التي تؤدي إلى النجاة من الفتنة.
وقال في الوصية الثالثة:
«وَاقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ، وَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ»
. طبعاً ليس مفهوم العبارة الاستسلام للظلم والاستجابة للظالم؛ فهذا الأمر منهي عنه في الإسلام وهو نوع من إعانة الظالم على الظلم، لكن المراد إن خيرتم بين أمرين إمّا أن تهضم حقوقكم أو تهضموا حقوق الآخرين، فما عليكم إلّا أنّ تغضوا الطرف عن حقوقكم لكي لا تدنسوا أنفسكم بظلم الغير، ومثل هذا الأمر عادل ومرضي للَّهعلى ضوء قاعدة تقديم الأهم على المهم.
الوصية الرابعة:
«وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَمَهَابِطَ الْعُدْوَانِ»
أي لا تقتربوا من الخطوط الحمراء (الظلم والفساد)، والتعبير ب
«المدارج»
و
«المهابط»
إشارة إلى نكتة لطيفة، أي أنّ الشيطان يرفع الإنسان من سلم الطغيان، فإن بلغ القمة قذف به إلى الأسفل، وأحياناً يهوي به إلى أودية المعصية ليزل قدمه فتهوي به إلى أعماق الكبائر.