نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧ - الشرح والتفسير خصائص هذه الفتنه الكبرى
الذي يضل فئة من الناس.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى شدّة تلك الفتنة قائلًا:
«مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ؛ يَتَكَادَمُونَ [١] فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ [٢] فِي الْعَانَةِ!»
وهذه العبارة تأكيد لما ذكر في الكلام السابق بشأن الفتنة الأولى من أنّ رؤوس الفتنة متحدون بادىء الأمر، أنّهم سرعان ما يسعون لطرد كل منهم الآخر عند الغلبة، ثم تطرق إلى أوضاع الناس الدينية والأخلاقية آنذاك فقال:
«قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ. تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا [٣]،
وَتَرُضُّهُمْ [٤] بِكَلْكَلِهَا [٥]»
. نعم، حين يغيب العلماء عن مسرح الأحداث تؤول الأمور إلى الظلمة ليقولوا ما يريدون ويحملوا الآخرين على فعل ما يشاؤون، آنذاك تعم الفتنة لتشمل البلاد بأسرها وتأتي على القرى الصغيرة والنائية.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بشأن فضاعة أخطار هذه الفتنة (حيث يصبح الوضع بالشكل الذي) يضيع في غبارها المشاة من الأفراد وتهلك فيها الفرسان:
«يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ»
. إشارة إلى أنّ الفتنة على درجة من القوّة بحيث يكفي غبارها لقمع المعارضين المتفردين، كما تعصف بالجمع الكثير منهم إن اعترضوا سبيلها، بالتالي ليس لأحد القدرة على مواجهتها والصمود بوجهها.
قال بعض شرّاح نهج البلاغة في تفسيرهم لهذه العبارة، إنّ المراد ب
«الوحدان»
، العلماء والفضلاء الذين يبتلون بغبار الشبهات ويضيعون الحق، والركبان كناية عن الفئات المقتدرة التي لا تقوى أيضاً على مقاومة رؤوس الفتنة وتهلك في مواجهتها؛
[١]. «يتكادمون» من مادة (كدم) على وزن شرم بمعنى العض والتكادم أن يلتحم حيوانان فيعض كل منهماالآخر
[٢]. «حمر» جمع حمار، بمعنى الحمار الوحشي هنا بقرينة العانة وهي الجماعة من حمر الوحش
[٣]. «مسحل» من مادة (سحول) بمعنى الفأس والمبرد وما شابه ذلك ممّا يبرد به الشيء
[٤]. «ترض» من مادة (رض) التهشيم
[٥]. «كلكل» بمعنى الصدر