نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦ - الشرح والتفسير خصائص هذه الفتنه الكبرى
وَالْقَاصِمَةِ [١] الزَّحُوفِ [٢]، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ؛
وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَتَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا [٣]».
ذهب أغلب شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بهذه الفتنة هنا فتنة المغول والتاتار، ولم يذكروا حسب اطّلاعنا احتمالًا آخر؛ إلّاأنّ هذا الاحتمال يبدو بعيداً؛ لأنّ أهداف المغول لم تكن سوى نهب الأموال وخراب البلدان والسيطرة على الممالك الإسلامية؛ في حين أخبر الإمام عليه السلام بعبارات في هذه الخطبة عن فتنة تستهدف أفكار الناس ومعتقداتهم وتلقي بهم في غياهب الغي والضلال والاختلافات الفكرية والدينية، وعليه يمكن أن يكون المراد بها فتنة بني العباس التي أعقبت فتنة بني أمية والتي أشارت إليها العبارات السابقة، والواقع هو أنّ بني العباس وبني أمية وإن كانوا وجهين لعملة واحدة وسياسة شيطانية واحدة، إلّاأنّ بني أمية وكما صرّح زعيمهم معاوية كانوا لا يكترثون للصوم والصلاة وطقوس الناس الدينية، سوى- في المواقع- التي تصطدم بحكومتهم الغاشمة؛ بينما اخترق بنو العباس عقائد الأُمّة حتى ظهرت على عهدهم أغلب المدارس المنحرفة والمذاهب الفاسدة، كما اشتدت الاختلافات في بعض المسائل من قبيل «حدوث القرآن وقدمه» و «الجبر والتفويض» إلى جانب الخلافات بين «الأشاعرة والمعتزلة»، وممّا لا شك فيه أنّ ذلك كان يجري وفق خطة مرسومة حتى أنّهم كانوا يشجعون العلماء والمفكرين لإثارة مثل هذه المباحث بهدف الاستمرار في السلطة، طبعاً لا نزعم أنّ بني أمية تخلوا مطلقاً عن هذه الأمور، لكننا نقول ليس لمثل هذه المباحث من ظهور آنذاك كالذي أصبح عليه بنو العباس، كما يبدو، مستبعداً أيضاً، الاحتمال الآخر الذي ذكره بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ هذا الكلام إشارة إلى فتنة «الدجال» في آخر الزمان
[١]. «قاصمة» من مادة (قصم) على وزن خصم بمعنى الكسر مع الشدّة
[٢]. «زحوف» من مادة (زحف) على وزن حرف بمعنى الثقل في المشي وتطلق على حركة الجيش الكثير، وزحوف في العبارة إشارة إلى الافتتان الذي يستشري في المجتمع
[٣]. «نجوم» وردت هنا بالمعنى المصدري وهو الظهور