دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٢٣ - أصحاب السر
على حجية الخضر، فإنّه قال بعد الاعتراف: قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [١] ورغم ذلك عاد واعترض ثانياً فقال: قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [٢] ولكنه مع ذلك يعترض مرة ثالثة، ولو لاحظنا الاعتراض الثالث لوجدناه ليس شيئاً واجباً ولا محرماً إذ قال له بعد إقامة الجدار: قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [٣] فهو أمر ندبي أوّلي فيه رُجحان عقلي وشرعي، إذ من الراجح أن يُدبر الإنسان أموره وفي ذلك الحال، كان الخضر وموسى (ع) جائعين وقد استطعما أهل المدينة فأبوا أن يُضيّفوهما لذلك يقول موسى (ع) للخضر من باب تدبير الأمر بأن يأخذ أجراً على إقامة الجدار، فهو أمر تدبيري راجح وليس فيه إلزام اتخذه النبي موسى (ع) قاعدة رقابية على أفعال الخضر.
وهذه الاعتراضات من النبي موسى (ع) لم تكن هباءً أو خطأ في مرحلة التنظير وإنما كانت اعتراضات صحيحة يُسطر لنا القرآن من خلالها ملاحم معرفية وبصائر نورية تُنير لنا الدرب وتكون درساً في تحكيم القواعد الرقابية لعدم مخالفة ظواهر الشريعة فضلًا عن ضرورياتها، فإنّ موسى (ع) لم ينخدع ولم يتنازل عن الحجج العليا والضوابط والقواعد الرقابية لمجرد تزكية الله تعالى للخضر وإرشاده باتّباعه، فلم يتأول مخالفة الضوابط والاستمرار في مصاحبته، لأن تلك
[١] الكهف: ٧٢ و ٧٣.
[٢] الكهف: ٧٥ و ٧٦.
[٣] الكهف: ٧٧.