دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤١٢ - بواعث الانحراف
ومتطلبات حياته ولكنه يوفر لها المأكل لدرجة أنه صار خادماً لها في تلبية جميع متطلباتها حتّى الراحة والنوم فضلًا عن الطعام، فبالنتيجة صارت الفرس تقضي حوائجها بواسطة ذلك الشخص، فلو أرادها للحرب والتنقل طلبت الراحة والنوم، ولو أراد هو الراحة والنوم طلبت هي الطعام والشراب، فصار الأمر بعكس المطلوب!
أما لو كان يعطيها بقدر الحاجة ويجبرها على تأدية متطلباته هو حتّى لو كان في ذلك عناء ومشقة الدابة فإنّ ذلك هو السبيل الوحيد والترتيب المنطقي والعلاقة الطبيعية بين الشخص ودابته، وهكذا الإنسان ونفسه، فلو جعلها جزء ذاته وأعطاها كل ما تريد وتشتهي امتطته وقضت حوائجها وشهواتها به ومنه، وخسر هو ذاته وكانت وبالًا عليه بدلًا من أن تكون عوناً له.
وبالتالي تكون النفس أميرة عليه فيحسبها ويستغفل عقله.
وعلاج ذلك أن يجعلها دابة له ويتعامل معها على هذا الأساس تعاملًا عملياً تعايشياً وليس تعاملًا فكرياً تجريدياً فحسب.
فلا بدَّ للإنسان من ترويض نفسه لا أن يطيعها كما يقول أمير المؤمنين (ع): «هي نفسي أروضها ...» [١] أي أجعلها مأمورة خادمة.
[١] في نهج البلاغة ٧١: ٣/ ٤٥ من كتاب له (ع) إلى عثمان بن حنيف: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تقطع في ظلمة آثارها وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يد حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسدّ فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق».