الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٣٥٤ - الجهة الخامسة هل التخيير في المقام تخيير في المسألة الأصوليّة أو الفرعية؟
الآخر، فاختيار المكلّف يكون جزءا أخيرا لموضوع الحجّيّة.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ النزاع في كون التخيير ابتدائيّا أو استمراريّا مبتن
على ذلك، فإن قلنا بأنّ التخيير تخيير في المسألة الفرعيّة، فلا إشكال في
كونه استمراريّا، إذ معناه أنّ المكلّف مخيّر-مثلا-في القصر والإتمام في
المورد الّذي جاءه حديثان مختلفان في ذلك، وإن قلنا بأنّه تخيير في المسألة
الأصوليّة، فلا إشكال في كونه ابتدائيّا، لأنّ معناه أنّ ما اختاره هو
الحجّة، والآخر ساقط عن الحجّيّة، وبعد سقوطه عنها عودها يحتاج إلى دليل.
و حيث استظهرنا من الأدلّة كونه تخييرا في المسألة الأصوليّة-بقرينة أخبار
الترجيح أوّلا وظهور نفس أخبار التخيير ثانيا من جهة أنّ الأخذ بالخبر
ظهوره في العمل بمضمونه وجعله سندا ومدركا وحجّة له-يكون التخيير ابتدائيا.
و قد ذكرنا أنّ ما عبّر بلفظ«بأيّ منهما عملت وسعك»مثلا غير آب عن التخيير
في المسألة الفرعيّة، والآن نقول: إنّ ظاهر العمل بالخبر أيضا هو الأخذ
بمضمونه والالتزام بمدلوله، ومن الواضح أنّ معنى الأخذ بأحد الخبرين
-اللذين مفاد أحدهما وجوب فعل، ومفاد الآخر إباحته-ليس هو إلاّ الالتزام
بمفاد أحدهما من الوجوب أو الإباحة، وهكذا معنى العمل بأحدهما ليس إلاّ
العمل بمضمونه من الالتزام بالوجوب أو الإباحة، فعلى ذلك مفاد جميع الأخبار
متّحد، وهو جعل أحدهما دليلا وحجّة باختياره، ولا إشكال في صحّة جعل
الشارع ما يكون فيه اقتضاء الطريقيّة طريقا ولو بعد اختيار المكلّف، فقبل
اختيار المكلّف لا يكون شيء منهما حجّة، وبعد اختياره يجعله الشارع طريقا،
نظير ما إذا جعل الشارع الاستخارة طريقا إلى حكم، فإنّه ممّا لا محذور فيه
أصلا، ولا يعقل جعل أحدهما طريقا قبل اختيار المكلّف، فإنّ جعل الطريق