الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٣٥٩ - فصل
عن السؤال لا أنّه علّة للجواب-كما في المرفوعة-حتى يتعدّى منه إلى غيره.
هذا، مضافا إلى أنّ الخبرين بعد ما كانا كلاهما مشهورين كما فرضه السائل
وكان أحدهما مخالفا للعامّة يطمأنّ بصدورهما وأنّ الموافق صدر تقيّة، فيصدق
عرفا أنّ المخالف لهم هو حقّ ورشد والموافق باطل وضلال، فالمراد من كون
الرشد في الخبر المخالف لهم هو الرشد العرفي لا الإضافي.
مع أنّ المناط في الترجيح لو كان أقربيّة أحدهما من الآخر إلى الصدور، لم
يبق مورد لإطلاقات التخيير إلاّ نادرا، إذ قلّما يكون الخبران المتعارضان
متساويين بحيث لا يكون في أحدهما شيء يوجب ذلك ولو كان راوي أحدهما اثنين
والآخر واحدا، فإنّ الأوّل أقرب إلى الصدور من الآخر.
هذا، ولكن ما ذكرنا من أنّ الموافق يطمأنّ بصدوره تقيّة قابل للمناقشة، إذ
الاحتمالات كثيرة، ونحتمل إرادة خلاف الظاهر من المخالف وصدور الموافق
لبيان الحكم الواقعي، فالأولى أن يقال: إنّ حمل«الرشد»في«فإنّ الرشد في
خلافهم»-على تقدير صدوره-على الرشد الإضافي-كما أفاده الشيخ-بعيد عن
الأذهان، كما أنّ حمله على الحسن-بأن كان المعنى: فإنّ الحسن في
مخالفتهم-بعيد عن اللفظ، وظاهر اللفظ أنّ المخالف لهم مطابق للواقع وحقّ،
لكن من المعلوم أنّه ليس دائما كذلك، فيعلم أنّ هذا التعليل لأجل الغلبة
وأنّ الغالب هو موافقة الخبر الموافق لهم للتقيّة، بل الغالب مخالفته
للواقع إمّا لأجل أنّه صدر تقيّة في موارد تعارض الخبرين، أو لأجل أنّ
العامّة يتعمّدون الكذب على اللّه غالبا ولا يبالون به، فالخبر الموافق لهم
بحسب الغالب غير مطابق للواقع، فالتعليل من جهة غلبة المطابقة في الخبر
المخالف، ولا بأس بالتعدّي لو فرض العلم في مورد بمثل هذه الغلبة إلاّ أنّه
ليس لنا طريق إلى ذلك في غير ما أخبر به الإمام عليه السّلام، وهو المخالف
للعامّة.