الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٣٢٩ - فصل في مقتضى القاعدة في باب التعارض في غير مورد أخبار علاج التعارض
الوضع عندنا هو التعهّد، وأنّه متى ما تكلّم بكلمة كذا أراد تفهيم معنى كذا.
الثالثة: دلالة اللفظ على أنّ ما قصد تفهيمه هو مراده الجدّي. وبعبارة
أخرى: دلالته على مطابقة المراد الجدّي للمراد الاستعمالي. هذه أقسام
الدلالات.
و لا ريب في أنّ الأولى منها لا تنثلم بالقرينة المتّصلة ولا بالمنفصلة،
كما لا ريب في أنّ الثانية تنثلم بالقرينة المتّصلة، فإذا قال: «أكرم
العلماء إلاّ زيدا» لا يدلّ العامّ في هذا الكلام على العموم، ولا يكون
كاشفا مع احتفافه بقرينة«إلاّ زيدا»عن قصد المتكلّم تفهيم العموم، وحينئذ
يرتفع موضوع الدلالة الثالثة، فلا تدلّ هذه الجملة على أنّ المتكلّم أراد
العموم جدّاً، فإنّ الثالثة متوقّفة على دلالة اللفظ على قصد المتكلّم
تفهيم العموم، فبدونها لا موضوع للدلالة الثالثة.
و أمّا بالقرينة المنفصلة-بأن قال منفصلا عن قوله: «أكرم العلماء»: «لا
تكرم زيدا»-فلا تنثلم الدلالة الثانية، وإنّما تنثلم بذلك الدلالة الثالثة،
وهي دلالته على أنّ ما قصد تفهيمه من العموم مطابق لمراده الجدّي-و ما
يكون من بناء العقلاء هي هذه الدلالة الثالثة، وعند القوم الثانية والثالثة
كلتاهما من بناء العقلاء، وليس لنا شغل في إثبات ذلك، لعدم دخله فيما
يهمّنا-و حينئذ نقول: إن كان المراد من القول المعروف: «إنّ الظهور لا
ينثلم بالقرينة المنفصلة وإنّما تنثلم بها حجّيّته»أنّ الدلالة الثانية لا
تنثلم، وإنّما تنثلم الدلالة الثالثة، فالأمر كما ذكروا، ولازم ذلك هو
انقلاب النسبة.
و إن كان المراد أنّ شيئا من الدلالات الثلاث لا ينثلم حتى الثالثة منها،
فهو غير صحيح، إذ لا وجه-بعد عدم انثلامها-لعدم الحجّيّة، فإنّ الحجّيّة هي
بمعنى صحّة احتجاج المولى على عبده، والعبد على مولاه، ومن الواضح أنّ
موضوعها هو الدلالة الثالثة، فهي دائرة مدارها وجودا وعدما، فلو علم بقرينة