العناوين الفقهية - الحسيني، السيد مير عبد الفتاح - الصفحة ٤٥ - العنوان التاسع و العشرون في بيان أصالة اللزوم في العقد و الإيقاع
و زعموا أن الحكمين يتنافيان، و لازم الجواز رجوع العوض بعينه، مع أنه ليس كذلك في القرض، و أنت خبير بأن القول بلزوم القرض مما تشمئز منه النفس، فإن القرض الذي للمقرض مطالبته و للمقترض أداؤه متى شاء كيف يعقل كونه عقدا لازما؟ و هذا مما هو مركوز في أذهان المتشرعة ركوزا ظاهرا. و الذي يخالجني في المقام في حل الأشكال و إن لم أجد من يساعدني عليه من كلام فقيه أو غيره أن يقال: إنه ليس عقد القرض مثلا إلا معاوضة، فإنه تمليك للمال بإزاء عوض، لا مجانا، فإذا بذل المقرض أحد العوضين فله أن يطالب بالعوض الأخر كما في سائر المعاوضات، و ليس لأحد أن يقول: إن مطالبة البائع الثمن و مطالبة المشتري المبيع فسخ للبيع، فإن ذلك إمضاء لمقتضاه، و مقتضى عقد القرض أن قبض المال يوجب ثبوت مثله أو قيمته في ذمة المقترض، و ليس هذا إلا كالبيع بالمثل أو القيمة، فإذا طالب العوض فقد طالب المثل و القيمة، و لزم المقترض الدفع إتيانا بمقتضى المعاوضة، فليس هذا فسخا حتى يجب دفع العين، بل إنما هو طلب لما لزم بالمعاوضة، و هو مؤكد لبقاء العقد لا فاسخ. نعم، إذا قال المقرض: فسخت القرض بمعنى الأبطال و عدم الإذن في التصرف و كان العين باقيا فاللازم على المقترض دفع العين، لأنه أبطل الملك بإبطال سببه، فرجع إلى ملك المالك الأول و سقط عن ذمة المقترض العوض، كما أن المقترض لو قال: فسخت القرض لا يجوز له التصرف بعد ذلك بالعين الموجود، لبطلان ما أوجب التمليك، و زوال الإذن بزواله على ما هو التحقيق. فالذي تلخص من ذلك: أن العقد الجائز ما كان قابلا للفسخ الموجب لرجوع كل عوض إلى مالكه و بطلان الآثار المترتبة عليه، و ليس عقد القرض من اللازم على ما تخيله بعض المتأخرين، للإجماع على خلافه ظاهرا، و لا جائزا بهذا المعنى، إذ لا يكاد يظهر على ظاهر كلامهم فرق بين بقائه و انفساخه، بل الحق: أن كلامهم في عدم وجوب دفع العين منزل على مطالبة المقرض العوض، لا فسخه للعقد. هكذا ينبغي أن يحقق المقام، و له نظائر كثيرة.