مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٤٤ - الاستدلال بالكتاب
وجه الاشعار، بل دلالته على القاعدة المبحوث عنها، ظهوره في تقديم حفظ النفس من المعاصي على هداية الغير و إنكار العاصي فيما إذا دار الأمر بينهما.
و ذلك لأنّ إضرار أهل الضلالة و المعصية بالمؤمن المهتدي؛
إما بوسوستهم، كما أمر اللَّه بالاستعاذة من شرّ الوسواس الخنّاس، من الجنّة و الناس. و إنّ الوسواس الخنّاس الذي من الناس- المعبّر عنه بشياطين الانس- إنّما هو أهل الضلالة و المعصية.
و إمّا: من أجل ترك وظيفة هدايتهم و إرشادهم و انكارهم عن المعاصي و أمرهم بالمعروف. و الآية المزبورة تشمل كلتا الصورتين بالاطلاق.
و الصورة الثانية تنطبق على قاعدة الأهمية، و هي ما إذا دار الأمر بين نهي الغير و منعه عن المعصية و بين ارتكاب الناهي نفسه الحرام فيما لو توقف انكار الغير على ارتكاب الحرام. فالآية تدل على سقوط وظيفة الانكار و جواز تركه، بل وجوبه، و عدم توجه ضرر و عقاب اخروى إليه بترك الانكار ما دام وقى نفسه من ارتكاب الحرام، و إن وقع الفاعل في المعصية و ضلّ بارتكابها. و قد عرفت أنّ موضوع هذه القاعدة دوران الأمر بين تكليفين إلزاميين، و في المقام احداهم وجوب الاجتناب عن المعصية و الآخر نهي الغير عن المنكر.
و من هنا استدللنا باطلاق هذه الآية لسقوط وجوب الانكار في المسألة في كتابنا «دليل تحرير الوسيلة»، فراجع[١].
ولكن ناقشنا هناك باحتمال انصراف الآية المزبورة إلى نفي إضرار كفر الكفّار و ضلالتهم بالمؤمنين بعد اهتدائهم، و حفظ ايمانهم و صيانة اهتدائهم بالأمر و النهي فيما بينهم، بالعمل بمثل قوله تعالى:
«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[٢]، و غيره من الآيات.
[١] - دليل تحرير الوسيلة/ كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: ص ٧٧- ٧٩.
[٢] - التوبة: ٧١.