مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٠٣ - المناقشة فيما أفاده بعض المحققين
العرفية المحضة التي لم يعتبر فيها الشارع قيداً.
و لا ريب أنّ مراد الشارع من مثل هذه الموضوعات هو المتفاهم العرفي منها. و إنّ المتفاهم العرفي من عنوان العسر و الحرج ما بيّناه؛ لأنّ أهل العرف إنّما يعدّون الفعل البالغ إلى ذلك الحد من المشقة فعلًا حرجياً، و لا يعدّونه حرجياً إذا كان دون ذلك الحد. و يلاحظون في ذلك نُظراء الفاعل في تحديد الطاقة و تعيين مرتبة المشقة البالغة حدّ الحرج.
فالخارج عن حد طاقتهم هو المراد من المشقة التي لا تتحمّل عادةً في نظر أهل العرف.
و إن شئت فقل: ما كان من الأفعال حرجياً عند متعارف الناس موضوع التكليف المنفي في الخطابات الشرعية. و هذا مراد الفقهاء من تفسير العسر و الحرج الرافعين للتكليف بالمشقة التي لا تُتحمّل عادةً.
فالحرج لايصدق عرفاً إلّاعلى الحدّ الذي رسمه أهل العرف.
و ثانياً: أنه خلاف ما استقرّ عليه بناءُ الأصحاب و صدرت عليه فتاواهم في مختلف أبواب الفقه، من تحديد الحرج المنفي بالمشقة التي لا تُتحمّل عادةً. فلم يقيّدوه بتحمل الأشخاص، بل جعلو الميعار في ذلك جريان عادة نوع الناس.
و لا يخفى أنّ المشقّة التي لا يتحمّلها نُظراءُ الفاعل و أمثاله بما له من الخصوصيات الشخصية من قدر الطاقة و البنية و القوة الجسمانية، لا ينبغي أن يُسمّى بالحرج الشخصي؛ لأنّ في تعيين حد الحرج المنفي بهذا المعنى لابد من الرجوع إلى نُظراءِ الفاعل و أمثاله. فما يتحمله من الحرج أمثاله في الطاقة ليس بمنفي، و إنّما الحرج المنفي ما لا يتحمّله أمثاله و نظراؤه من الناس. فليس المعيار في تعيين الحرج المنفي بهذا المعنى طاقة شخص الفاعل، بل المدار على تحمُّل أمثاله و نظرائه.
ثم إنّ ارادة الحرج النوعي بهذا المعنى قد عرفت القرينة على إرادته بما بيّناه في صدر هذا المبحث و ذيله. و الحرج الشخصي لا دليل على اعتباره، إلّا بالتأويل المزبور. و هو لاينافي اعتبار حرج النوعي بالمعنى الذي بيّناه.
المناقشة فيما أفاده بعض المحققين
فما أفاد بعض[١]، من احتياج إرادة الحرج النوعي إلى القرينة و أنّها مفقودة، مع عدم انضباط الحرج النوعي،
[١] - راجع القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي: ج ١، ص ١٩٨.