مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٣٧ - مقتضى التحقيق في الجواب عن الإشكال الأول
الدليلين من العموم المطلق لزم تقديم الخاصّ، و إن كان ذلك من العامّين من وجه تعيّن الرجوع إلى المرجّحات الخارجية، و مع التعادل فعلى الخلاف فيه.
و هذا الوجه أيضاً يقتضي قلّة الفائدة في تمهيد تلك القاعدة الشريفة، لوضوح كون نسبتها مع جميع ما يعارضها من العمومات المثبتة للتكاليف من القسم الثاني، فلو لم يجز التمسّك بها بمجرّدها في تلك الموارد اختصّ بما لا دليل عليه. و حينئذٍ ففي الاصول العملية ما يغنى عن التمسّك بها، بل الصواب تقديمها على العمومات المذكورة مطلقاً، كما يظهر من طريقة الأصحاب في الاستدلال بها على أحكام مواردها من غير تأمّل منهم في ذلك من الجهة المذكورة.
نعم إن قام الدليل على إثبات ما فيه الحرج بحيث كان أخصّ بحسب المورد من تلك الأدلّة مطلقاً قدّم عليها لكونه إثباتاً للحرج الخاص فيخصّ به الدليل العام بخلاف العامّين من وجه، إذ الأدلّة المذكورة حاكمة على أدلّة الأحكام مسبوقة بها ناظرة إليها، فكأنّها مفسّرة لها مبيّنة لمواردها. و من المعلوم أنّ أحد الدليلين متى جرى مجرى التفسير و البيان لموارد الآخر قدّم عليه، إذ ليس المفهوم منهما إذن إلّا ذلك ... ففرقٌ بين قول القائل ليس عليك حرج و قوله: ما جعلت عليك فيما أمرتك به من حرج أو ما اريد بك العسر فيما اكلّفك إذا الأوّل لا نظر له إلى التكاليف السابقة و الثانى بيان لما تقدّمه أو تأخّره من الخطابات التي تعمّ موارد الحرج، أو إخبار باختصاصها بغيرها مسوق لإظهار الامتنان بعدم تعلّقها بها فقوله سبحانه: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ،» بيان لاختصاص المجعولات الشرعية و التكاليف الدينية بما لا حرج فيه على العباد فهو ناظر إلى الاحكام المجعولة التي يعبّر عن مجموعها بالدين، و ليست الخطابات المثبتة لها ناظرة إلى الدليل المذكور و إن كانت شاملة لما فيه الحرج مقتضية بعمومها