مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٢٩ - الاستدلال بالسيرة العقلائية
بعدم كون بعض مصاديق الحرج موجباً لاختلال النظام. و هو كذلك جدّاً؛ لما نشاهده بالوجدان من أنّ تحمّل الحرج في كثير من الوقائع الشخصية- في الواجبات و المحرّمات- لا يوجب اختلالًا في نظام المعاش. فلا يصلح كون محذور اختلال النظام لنفي مشروعية الحكم الحرجي على نحو الكبرى الكلية، كما هو مفاد هذه القاعدة.
و الحاصل: أنّ العقل و إن يستقل بقبح و منع ما يوجب الاختلال في النظام، لكن ليس كل حرج مما يوجب الاختلال، حتى يُنفى كل حكم حرجي لأجل هذا المحذور. فانّ بين عنوان الحرج و بين ما يخلّ بالنظام عموم و خصوص من وجه. فربّ حرج لا يخلّ بالنظام، كما أنّ ربّ شيءٍ يُخلّ بالنظام و لا يوجب الحرج.
و من أجل ذلك لايتم الاستدلال بقاعدة اختلال النظام لاثبات قاعدة نفي الحرج. فلا يتم الاحتجاج بحكم العقل لهذه القاعدة بهذا التقريب أيضاً كسابقه.
الاستدلال بالسيرة العقلائية
و يمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية بتقريب: أنّ العقلاءَ قد استقرت سيرتهم على جعل قوانين غير محرجة؛ حذراً من تمرُّد أغلب الناس و مخالفتهم و اختلال النظام و نقض الغرض بذلك. و ذلك أنّ غرضهم من تشريع القوانين ليس إلّاحفظ نظام معاش الناس.
فاذا وضعوا قوانين محرجة شاقة خارجة عن طاقة أغلب الناس، للزم اختلال نظام معاشهم، و ينقض بذلك غرضهم؛ حيث يواجهون حينئذٍ مع مخالفة أكثر الناس.
فمن هنا استقرت سيرتهم على وضع قوانين غير محرجة.
و لم يردع الشارع عن سيرتهم هذه، بل نصوص نفي الحرج إمضاءٌ لهذه السيرة. و بناءً على استقرار السيرة العقلائية على ذلك، تكون أدلّة نفي الحرج- من الكتاب و السنة- إمضاءً لا تأسيساً.