مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ٦٩ - الفصل الرابع في صفته
استكمنت منه، فقال لي رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)): اقذف به فقذفته فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت، فانطلقنا أنا و رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس.
و نزعت نفسه عن ارتكاب السيئات فاجتهد في اجتنابها، و نزعت إلى اجتناب الشهوات فجد في قطع أسبابها و نزعت إلى اكتساب الطاعات فسعى في اقترابها و اقتنى ثوابها، و نزعت إلى احتقاب الحسنات فارتدى بجلبابها و انتدى سور محرابها، فلهذا لما رجحت نفسه الزكية بكثرة ما نزعت عنه من المجتنب و ترقت إليه من المقترب، اغتدى احق بصفة الانزعية و أحرى بها، فاعتبار هذه الألفاظ المستتلاة للمعاني و المباني المستعلاة و المجاني المستحلاة صارت له ((عليه السلام)) لفظة الانزع من المدائح [المستجناة و المثاني المستجلاة] و لما اكتنفت العناية الإلهية و أحاطت الألطاف الربانية و احدقت الرأفة الملكوتية برسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم))، فجعلت قلبه مشكاة لأنوار النبوة و الرسالة و أنزل اللّه عليه الكتاب و الحكمة و علمه ما لم يكن يعلم، و علي يومئذ مشمول ببركات تربيته محصول له ثمرات حنوه عليه، فشفقته لمع من تلك الأنوار بارقها و طلع من آفاق مشكاتها شارقها، فاستنار قلب علي بتلك الأنوار و زكا بتلك الأثمار و صفا من شوائب الأكدار و استعد لقبول ما يفيض عليه من أسرار العلوم و علوم الاسرار، و يجعل فيه من مقدار الحكم و حكم الأقدار فتحلى بيمن الإيمان و تزين بعوارف المعرفة و اتصف بمحكم الحكمة و أدرك أنواع العلم، فصارت الحكم من ألفاظه ملتقطة و شوارد العلوم الظاهرة و الباطنة به انسه و عيونها من قلب قلبه منفجرة، و لم يزل بملازمة رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) يزيده اللّه (تعالى) علما حتى قال رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) فيما نقله الترمذي في صحيحه بسنده عنه:
«أنا مدينة العلم و علي بابها» فكان من غزارة علمه يذلل جوامح القضايا و يوضح مشكلات الوقائع و يسهل مستصعب الأحكام، فكل علم كان له فيه أثر و كل حكمة كان له عليها استظهار و سيأتي تفصيل هذا التأصيل