مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ٢٣٧ - الفصل الثامن في كرمه (
و كنها فجادله التأييد الرّباني حالة لم يدركها سواه و لم يستبنها، فجاد بالخلافة على معاوية و سلمها إليه و خرج عنها و تكرم بها و حرمها نفسه الشريفة فانسلخ منها. فلا جرم باعتبار هذه الحال و ما أسداه ((عليه السلام)) من الجود و النوال و ما أبداه من التكرم و الافضال اعترف له معاوية على رءوس الاشهاد في غضون المقال فقال له: أبا محمد لقد جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال، و لقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا و نقلا و عظم ما أسداه إليه الحسن ((عليه السلام)) جودا و بذلا، فإن النفوس تتنافس في رتبة الدنيا و متاعها قولا و فعلا و تحرص على إحرازها و اقتطاعها حرما و حلا، و ترتكب إلى اكتساب محاب حطامها حزنا و سهلا و يستعذب في إدراك مناها منها أسرا و قتلا، و على الجملة:
فهي معشوقة على الغدر لا تح * * * فظ عهدا و لا تتمم وصلا
كل دمع يسيل منها عليها * * * و بفك اليدين عنها تخلّى
فمن أخرجها على حبها منه جدير أن يعد جواد الأمجاد و أن يسجل له بإحراز الفلج إذا تفاخرت أمجاد الأجواد.
تنبيه و إيقاظ:
لعل من وقف على هذا التنبيه و الايقاظ أن يحيط علما بما حمل الحسن ((عليه السلام)) على خلع لباس الخلافة عنه و إلباس معاوية فرأيت أن أشير إلى ما ينيل نفسه مناها و يزيل عن فكرته ما عراها و اذكره ما أورده الإمام محمد بن اسماعيل البخاري ((رحمه الله تعالى)) فقال عن الحسن البصري ((رضي الله عنه)) و أسنده و أقصّه حسب ما تلاه في صحيحه و سرده، و فيه ما يكشف حجاب الارتياب بمطلوب هذا الباب فقال قال: الحسن البصري: استقبل و اللّه الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: اني لأرى كتائب لا تولّى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية- و كان و اللّه خير الرجلين-: أي عمرو، أ رأيت أن قتل هؤلاء هؤلاء و هؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين