أرجوزة في الفقه - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٢٢٧ - سر عدد نصاب الغنم و البقر
بحكم الخمسة و اثنين انتطق * * * ناطقة العقل بمثل ما انتسق
[سر عدد نصاب الغنم و البقر]
(بحكم الخمسة و اثنين) أي النصابين [١] (انتطق)- من الانتطاق، أي شدّ
[١] يعني نصابي البقر و الغنم.
و المؤلف فصّل خصائص هذين العددين في أسرار الحكم، فنأتي هنا بما فيه معربا- قال-:
أما الخمسة فهي عدد كامل و في الكتابة شبيه بالدائرة التي هي أفضل الأشكال و أوسعها، و لذلك أعطى الحقّ تعالى هذا الشكل للأجرام الأثيرية الفلكية و البسائط العنصرية. و الخمسة يقال له: العدد المستدير، لأنك كلما ضربته في نفسه أظهر العدد نفسها فيه، (٥. ٥ ٢٥ فعاد الخمسة و ظهر، ثم ٢٥. ٢٥ ٦٢٥ فعاد ٢٥ و ظهر، و كذا في باقي المراتب)، و المراتب الكلية خمسة، و جسم هذا العدد- الحرف المتعلق به- هاء الهوية، و إنه الاسم الأعظم، و «ها، هو» جار في أنفاس الحيوانات فالكل ذاكر له تعالى:
دم چو فرو رفت هاست هوست چو بيرون رود * * * يعنى ازو در همه هر نفسي ها و هوست
و صورته الكتبية الدائرة المقدارية غير المتناهية، فأحيانا يكتبونه بصورة دائرتين (ه) إشارة إلى جمال هو و جلاله، و قد يكتبون دائرة واحدة (ه) إشارة إلى أن جلاله عين جماله، و هذا الحرف ظاهر في أول الاسم «هو» و «الهادي»، و آخر «اللّه»، و وسط «داهر» و «ديهور».
و أما عدد اثنين فعدد كامل و أول الأعداد، و نسبته إلى الواحد نسبة الصادر الأول بالواحد الحقّ الحقيقي و مبدء المبادي، و الاثنينيّة سارية في جميع المبدعات و المنشئات و المخترعات و الكائنات، قال اللّه تعالى وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ [٥١/ ٤٩] و هذا الزوج في كلام الحق يطلق على كل واحد من كل اثنين، كما تقول: الزوج و الزوجة و زوج النعل و زوج الخفّ على كل واحد منهما، و كثيرا ما يقال: «الزوج» و يراد به الزوجين، و كل ممكن زوج تركيبي له وجود و ماهية، و و وجه اللّه و وجه النفس، و وجوب و إمكان، و بعبارة أخرى كل ممكن مركب من الكلي الطبيعي- الماهية المبهمة- و هاء الهوية الشخصيّة، فإنّه الإنيّة و الوجود الحقيقي، و إن شئت قلت: مما بالقوة و ما بالفعل، أو من البطلان الذاتي- من حيث ماهيته من حيث هي هي- و الحقيّة- من حيث استناده إلى الحق، أو من الليسيّة الذاتيّة و الأيسيّة الغيريّة، و الماهيّة أيضا مركبة من الجنس و الفصل.
و بالجملة الاثنينية و التركيب من الأمور الشاملة لموجودات عالم الإمكان حتى التركيب من الروح و البدن، و في أخيرة المراتب التركيب من الهيولي و الصورة، و حتى في مقام التعبير عن اللّه الواحد الأحد أيضا تقول: له ذات و صفة، و اسم و مسمى- و إن تعرف بالبرهان أن ذاته عين صفته و اسمه عين مسماه و الاثنينية بحسب المفهوم.
و إذ قلنا أن الاثنين صدر عالم الأعداد و صدر الصوادر، لذلك تكون القسمة في كل تقسيم إلى الاثنين أولا، كما تقول: الموجود إما واجب أو ممكن، العالم إما عالم المعنى أو الصورة، و إما عالم الملك أو الملكوت بالمعنى الأعم، و الممكن إما مفارق أو مقارن- و أمثالها.
و السيد الداماد- أعلى اللّه مقامه- سلك هذا المسلك في كتابه «الجذوات» في بيان النكاح الساري في جميع الذراري، و قال: «الوجود الممكن منقسم إلى الخارجي و الذهني، و كل منهما إلى الدهري و الزماني، و النظام الجملي بسلسلتي البدء و العود، و قوسي النزول و الصعود، و الموجود الممكن نوراني و غسقاني، و النور حسيّ و عقلي، و النور العقلي قاهر و مدبر، و الغواسق برازخ جسمانية و ظلمانية.
و بوجه آخر الممكن جوهر و عرض، و الجوهر مجرد و هيولاني، و المجرد عقل و نفس، و الهيولاني صورة و مادة، و الجسم أثيري و عنصري، و الأثيري كوكب و فلك، و الفلك شامل الأرض و التدوير، و الشامل موافق المركز و خارج المركز، و المتمم حاو و محوي، و الكوكب سعد و نحس، و العنصري حيّ و ميّت، و الحيوان ذكر و أنثى، و الإنسان نفس مجردة و بدن جرماني، و النفس المجردة قوة عاقلة و قوة عاملة، و الجهة فوق و تحت، و الحركة مستدير و مستقيم، و الإدراك حسّ و تعقّل، و الإحساس ظاهري و باطني، و التعقل حضوري و انطباعي، و الانطباعي تصور و تصديق، و الأرقام كتابة بالنقطة و الحروف، و الحروف زبر و بينات، و كل منه رقم و عدد- فإنهما بمنزلة الروح و الجسد- و العدد زوج و فرد، و الزوج زوج الزوج و زوج الفرد، و الفرد فرد أول و فرد الفرد- و على هذا السبيل»- انتهى كلام السيد الداماد.
و ما قلنا من التركيب من الماهية و الوجود و الكلية و الهوية و القوة و الفعل و غير ذلك فهي أيضا من النكاح الجاري في الذراري الذي قال- ره- إنه من الأسرار الجارية على لسان الحكماء و الجسد الحرفي لهذا العدد «با» فإنه أول البسملة التي هي أول آيات القرآن الحكيم، و ظهر في أول البرّ و الباسط، و الباقي و نحوها من الأسماء الحسنى، و كما أشير إليه فهو حرف عقل الكل، و رابط الحادث بالقديم، و مفتاح الفيض، و قد قيل: «بالباء ظهر الوجود، و بالنقطة تميّز العابد عن المعبود».
و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كل ما في القرآن المجيد ففي الفاتحة، و كل ما في الفاتحة ففي البسملة، و كل ما في البسملة في بائها، و أنا النقطة تحت الباء».