أرجوزة في الفقه - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٤ - العبوديّة و العبادة
و لكن لو أخذنا بنظر الاعتبار فليس يعطينا القرآن هذا المفهوم من العبوديّة و العبد عند ما يطلق الكلمة على العبد قبال مولويّة اللّه تعالى، و إن كان فهم المراد القرآني أيضا لا يتيسّر إلا بالاستعانة من المصطلح اللغوي و استعماله العلمي.
و إذا أردنا فهم المراد منه في القرآن فعلينا بالدّقة في موارد استعمالات هذه الكلمة، و يكفينا في هذا المجال مراجعة آيتين من الآيات التي ورد فيها هذه المادّة:
وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ. [٥١/ ٥٦].
و سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [١٧/ ١]، فالآية الاولى ترشد إلى أن الغرض الأصلي من خلق الإنسان- و كل الخلق- عبادة اللّه، و الثانية تلمح أن «عبد اللّه» أفضل وصف يتسمّى به أحد من الخلق- و هو النبيّ الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في أعلى مدارج تعاليه و ترقّياته و أفضل حالات سلوكه إلى اللّه تعالى- و هو المعراج.
و ذلك ما يوجب لنا التدبّر في معنى العبوديّة للّه تعالى، و أنّه من أين و لما ذا حصلت للعبوديّة هذه المكانة العالية؟ و لعبد اللّه هذه الدرجة الرفيعة؟
و لعل الطريق الأقرب لفهم السر هو الرجوع إلى تفهّم معنى الوجود، و ما قال المؤلف- قده- فيه [١]:
فإنّه منبع كل شرف.
فإلى الوجود رجوع كل فضل و رفعة و فضيلة، كما أنّ نقيضه العدم مرجع كل نقص و سقوط و رذيلة، فكلّما وسع نطاق وجود موجود و تحقّق بالوجود أكثر يصير أفضل و أعلى، و بالعكس كلما ضاق نطاق وجوده قرب من العدم و الهلاك و الضعة.
و الإنسان- عند التحليل- مركّب من بدن مادّي ضعيف سالك إلى الانهيار، و روح من أمر اللّه باق متوسّع و قابل للسعة إلى ما لا نهاية له.
ثم إذا أخذنا بعين الاعتبار ما ثبت في الحكمة المتعالية من اتّحاد العالم بمعلومه، و أنّ
[١] غرر الفرائد: غرر في أصالة الوجود.