أرجوزة في الفقه - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٥ - العبوديّة و العبادة
الإنسان عين علمه و معرفته، نرى أن الإنسان بمعرفته شيئا من الواقعيّة بالعلم اليقيني الشهودي يصير عين الواقعيّة المعلومة و يتّسع بذلك نطاق وجوده العيني شيئا فشيئا.
و من أحقّ الواقعيّات أنّ ما سوى اللّه تعالى- و منه شخص الإنسان- لا تحقّق لها بنفسها و لا قيام لها بوجوده، و أن كلّ ما يرى لأشخاص من الموجودات ليس إلا فيض من فيوضات خالقه المنّان، و شعاع من أنوار فيوضاته الساطعة، و اللّه تعالى هو المالك لما ملّكهم و القادر لما أقدرهم عليه، و إليه يرجع كل علم و قدرة و وجود، و ليس لغيره من الموجودات- و بالتبع للإنسان- من كلّ ما يدّعيه و يراه إلا الصورة و الاسم، إِنْ هِيَ إِلّٰا أَسْمٰاءٌ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ مٰا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جٰاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدىٰ [٥٣/ ٢٣] و أن لكلّ شيء وجهان: وجه ظاهر لنا به نعرفه و نسمّيه، و وجه باطل به تحقّق ذلك الموجود و حقيقته، و هو النور الساطع من مفيض الأنوار نور السماوات و الأرض.
فأعلى مدارج المعرفة و أقربها من الحقيقة هي معرفة هذه الدقيقة، و أن ليس للشخص العارف من التحقّق و الوجود إلا الصورة و الاسم، و أنّه خال من أيّ تحقّق و وجود، و أنّ كلّ واقعيّة و حقيقة يتراءى راجع إلى النور الفائض و أثر من آثار الفيّاض المنّان ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مٰا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبٰاطِلُ وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [٢٢/ ٦٢] وَ رُدُّوا إِلَى اللّٰهِ مَوْلٰاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ [١٠/ ٣٠] و شهود هذا الحقيقة هو التحقّق بالعبوديّة و معرفة العبد أنّه ملك طلق للمالك المطلق و القيّوم الحقّ، و بمعرفة الليسيّة الكاملة لنفسه و رفع حجاب إنيّته يشهد حقيقته و النور الفائض و تحقّقه به، و بالتبع يرتفع إلى أعلى المدارج الممكنة له، و لعل إلى هذه الدقيقة تشير الآية الكريمة يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلٰاقِيهِ [٨٤/ ٦] و ما روي عن المعصومين (عليه السلام) و اشتهر: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» [١]، و جاء في مصباح الشريعة: «العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة».
[١] راجع ص ١٠٨.