من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٣ - موقف القيادة الرسالية من الأحداث والأشخاص
فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش فخرج رسول الله صلى الله عليه واله فإذا سعد بن معاذ قد قبض [١].
تعليق: لقد قتل بسبب حكم سعد بن معاذ ما بين (٤٥٠ و ٦٠٠) مقاتل من بني قريظة، مع أن الإسلام حساس في موضع القتل، فهو يعتبر من يقتل نفسا واحدة كأنما يقتل الناس جميعا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة: ٣٢]، مما يجعل هذا الحكم في ظاهره حكما جائرا في حقهم، أما حينما نعود إلى الواقع فإننا نكتشف صواب هذا الحكم حتى بالقياس إلى عادات المجتمع آنذاك. فالخيانة التي ارتكبها بنو قريظة بنقضهم العهد مع النبي صلى الله عليه واله في ساعة الشدة، عندما أعانوا الكفار والمشركين عليه وعلى الأمة تستحق ذلك في حكم الشرع، وفي منطق المجتمع الذي يرفض الخيانة بشتى صورها، وفي كل الظروف.
فمع أن الحروب والغارات كانت سمة للعرب إلا إن الوفاء بالعهد، والالتزام بالمعاهدات، بل والدفاع عن الحلفاء أمر مقدس عندهم، ولأن بني قريظة لم يدافعوا عن رسول الله، بل وحاربوه مع سائر الأحزاب فإنهم استحقوا ذلك، وهذا أمر طبيعي تحكم به حتى التوراة.
ثم إن سعد بن معاذ الذي جرح بسهم في جبهته، في معركة الأحزاب واستشهد بعد حادثة بني قريظة كان صورة للإنسان الذي تأسى برسول الله صلى الله عليه واله فهو ممن استجاب لقوله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، وهو أيضا من المعنيين بقوله تعالى صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣].
[٢٨] و من هذه الآية ينتهي السياق إلى المسألة الثانية التي تدور حول علاقة النبي صلى الله عليه واله بأزواجه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فإن هذا لا يتفق مع أهداف النبي في الدنيا، ولا تطلعاته في الحياة.
ولعلنا نستلهم من هذه الآية أن المؤمن المجاهد الذي يريد التأسي برسول الله في كل شؤونه، ويسعى لتطبيق قوله سبحانه لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب: ٢١]. أن عليه هو الآخر أن يتحرر من ضغط زوجته ولا يخضع لها إذا تحولت إلى عقبة في طريق الجهاد وحتى لو بلغ الأمر به إلى تهديدها بالطلاق يفعل ذلك ابتغاء مرضاة ربه، كما أمر الله تعالى رسوله المصطفى أن يقول لأزواجه اللاتي يردن الحياة
[١] بحار الأنوار: ج ٢٠، ص ٢٠٩.