من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٠ - الإحسان تكامل وهداية
أما إذا كان هذا السعي مبنيا على أساس الاستئثار والأخذ من الآخرين فقط فهو أمر مرفوض، إذ ينتهي بالمجتمع إلى الصراع والشقاء، من هنا يحث القرآن الحكيم على علاقة متوازنة، تعتمد ركيزتي الأخذ والعطاء، التي لو انتهجهما المجتمع لتدرج نحو الكمال الحضاري لأن العلاقة حينها ستكون البناء والتكامل بين أفراد المجتمع، وعلى عكس ذلك العلاقة المعتمدة على عبادة الذات ومحورية المصلحة، حيث تصل بالمجتمع إلى حضيض التخلف والانهيار، ويصبح الشغل الشاغل لكل فرد آنئذ هو افتراس الآخرين بأية وسيلة كانت، ولا غرابة أن تؤكد هذه السورة المباركة على ضرورة العطاء، وتبتدئ بعبارة هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ لأن السبيل إلى رحمة الله هو العمل برسالته، ولا يتأتى ذلك إلا بالإحسان والعطاء.
ولكي تحل علينا رحمة الرب لابد أن نحسن للآخرين فنأخذ منهم لنعطيهم، وإلا فلن تكون الرحمة من نصيبنا ولا الهدى. لماذا؟ وما هي علاقة الإحسان بالهداية في حياة الإنسان؟.
والجواب: إن الذي يعيش حالة مناقضة للإحسان كابتزاز حقوق الآخرين، إنما يقوم بذلك لما يعيشه من حب مفرط للذات، فلا يرى من هذا الكون الرحيب سوى نفسه، فيعبد هواه، وبالتالي يبتعد عن الحق، وهكذا يكون مقياسه المصلحة لا القيم، وهدفه الذات لا الحق وهذا يسبب كل انحراف. إن العقل والرسالات الإلهية توجه الإنسان إلى حقائق الخليقة، بينما توجهه شهواته وأهواؤه إلى داخل ذاته، ومن هنا فان استمرار اتباع الهوى يطفئ شعلة العقل، وهذا هو الضلال البعيد، ومن هنا يؤكد ربنا بأن المحسن هو الذي يصيب طريق الهدى في عالم المعنويات، والرحمة في عالم المادة، والتي هي الأخرى نتيجة للهدى.
ولو تدبرنا آيات القرآن لوجدنا أن من أهم ميزات الأنبياء الإحسان إلى الناس، بل وقد تكون العامل الهام في اصطفائهم للنبوة.
قال تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٢٢].
وقال عن النبي موسى عليه السلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
وأكد ربنا هذا المعنى بصورة عامة إذ قال وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].
ولعلنا نستوحي من آيات الذكر أن الذين يتخذون الدين وسيلة لابتزاز الآخرين