من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٧
نار مختزنة، كما إن آكل مال اليتيم يحسب أنه يتناول طعاما شهيا، ولكنه- في الواقع- إنما يأكل في بطنه نارا، والذي يكذب لا يعرف أن نتنا خبيثا يخرج من فيه يلعنه به الملائكة، وهكذا.
وهكذا يأتي رجل إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقد جاء بعظم كافر فيقول: (أَنْتُم تَقولونَ أَنَّه مُعذَبٌ فَأَيْنَ النَارُ التِي يُعذَبُ بِها الآن؟! فَيأْتِي إِليْه الإِمامُ بِزِنادٍ فَيَقْدحُهُ فَيقولُ
أَيْنَ كَانَتْ النارُ فِي هَذَا الزِناد؟)
. [٨١] البعث والنشور حقيقة فطرية. أوليست نفوس البشر تنزع إلى الخلود؟ وهذه الجهود الهائلة التي يبذلها البشر من أجل الخلود، دليل عمق الإحساس بالخلود، وما أكره الموت في نظر الإنسان إلا إيمانه بأنه جاء ليبقى، وفقط أولياء الله الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم لا يهابون الموت، ولو أحصيت أهداف الناس من مساعيهم المختلفة لكان لهدف استمرار البقاء حصة الأسد فيها، يقول الله تعالى لبيان هذه الحقيقة وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: ١٢٩].
وحيث علم البشر أنه لا محالة ميت، فتش عن بقاء اعتباري إن فقد القدرة على البقاء الحقيقي، فإذا به يسعى للامتداد عبر أبنائه أو آثاره أو حتى تحنيط جسده الميت وبناء المقابر الضخمة عند رفاته.
وحين أراد إبليس إغواء أبينا آدم وزوجه حواء وإخراجهما من الجنة، قال لهما هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه: ١٢٠].
هكذا تراه يثير فيهما حب الخلود، ويربطهما بالمعصية، وكذلك يصنع بأبناء آدم، فإنه من أعظم أسباب الذنوب حب الخلود.
ومن هنا فإن الإمام علي عليه السلام حين يسأله أحدهم: (مَا هُوَ الحَقُ الشَبِيهُ بِالباطِل؟! يَقولُ عليه السلام
المَوتُ، لِأَنَّ نَزْعَةَ الخُلودِ لا تَدَعْهُ يذْعنُ لِلمَوتِ هَذا الذِي لا يَنْجُو مِنْهُ حَيٌ أَبَداً، وَقَدْ قَالَ رَبُنا سُبْحانَه
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [العنكبوت: ٥٧].
إن هذا الإحساس الفطري العميق بالخلود لا يتحقق في الدنيا، فهو إذا يتحقق بالبقاء في الآخرة، فما الموت إلا قنطرة، وما الدنيا إلا مزرعة، وإن الآخرة لهي الحيوان.
ولكن تبقى العقبة الرئيسية أمام البشر جهله بقدرة الله واحتجابه بما يراه عما لا يراه، بالشهود عن الغيب.
لذلك نرى آيات القرآن تذكرنا بآيات قدرة الله، فهذه السماوات التي لا تحصى أقمارها