من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٢
معرفة الرب وشكره أَفَلا يَشْكُرُونَ.
[٧٤] والبشر يبحث عن قوة، ولقد أودع في ضميره الإحساس بالضعف الذي يهديه- إن أحسن التفكر- إلى ربه، ولكن الشيطان يغويه عن السبيل القويم، ويوحي إليه أن القوة عند الآلهة التي تعبد من دون الله.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ فهم يعبدون القوة السياسية والقوة الاقتصادية والوطن والعشيرة والحزب والشمس والقمر والنجوم و الأحجار التي ترمز إليها، ويبتغون عندهم القدرة عند الصراع، لعلهم ينصرونهم أمام القوى المعادية.
هكذا بينت الآية الكريمة خلفية الشرك بالله، وهي البحث عن قوة تنصرهم في مواجهة الطبيعة أو الأعداء.
[٧٥] ولكن من ينصر من؟ هل الآلهة تنصرهم أم هم ينصرونها؟.
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يقول ربنا بصراحة بالغة، ولو لم يكن في القرآن إعجاز إلا هذه الآية لكانت شاهدة صدق على أنه من عند الله، إذ يزعم الناس- إلا قليل ممن هداهم الله- أن الطاغوت أو أولي الثروة والجاه والعشيرة ينصرون من يشرك بهم، بينما يؤكد ربنا أن العكس هو الصحيح، وعندما نتفكر جيدا نعرف أن الآلهة هم الذين يتبعونهم، فمن الطاغوت لولا أتباعه الذين استسلموا له رغبا ورهبا أو ضلالة؟ الأثرياء فظلمهم واستضعافهم إنما بسكوت الناس عنهم أو طمعهم في أموالهم وهكذا العشيرة والوطن والحزب.
وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ ولعل هذا التعبير يوحي بأن قوة الآلهة هي مجموع قوة التابعين، فهم رمز التجمع لا أكثر ولا أقل.
وقال المفسرون: إنما عنى الله بذلك يوم القيامة حيث يصطف المشركون خلف آلهتهم المزعومة و يساقون إلى النار زمرا، ولا ريب أن الأمر لكذلك، ولكن- يبدو لي- أن الآية تشمل الدنيا أيضا، إذ المشركون هم أنصارها هنا، وفي الآخرة تتجلى هذه الحقيقة أكثر فأكثر، قال ربنا سبحانه وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً [مريم: ٨١- ٨٢].
وكلمة أخيرة: إن العوامل المؤثرة في حياة البشر ليست جميعا ظاهرة بل هي عوامل غيبية، وحتى العوامل الظاهرة كالسياسة والاقتصاد وما أشبه فهي- لو أمعنا النظر- تتصل بعوامل غيبية، وبالتالي لا تستطيع القوى المعبودة من دون الله أن تؤثر فيها شيئا، ثم إن قوتها