من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - ذلك تقدير العزيز العليم
بقدر وحسب نظام ثابت منذ ملايين السنين، وهكذا تكون حركة الشمس من المشرق إلى المغرب ثابتة.
ولعل الآية أشارت أولًا إلى ثبات نظام الدورة السنوية للشمس، ثم أشارت إلى ثبات نظام الليل والنهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ كل من الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك بسرعة في أفلاكها، ولكن دون أن تحيد عن النظام القائم قيد شعرة. أو ليس في ذلك دليلا على عزة الرب، ودقة صنعه، وحسن تدبيره، ولطف إجرائه للسنن التي قدرها؟!.
والفلك هو الجسم الدائري، وهكذا تكون في الآية إشارة إلى الحركة الدائرية للأجرام السماوية.
وإذا أخذنا الشمس مثلا لهذه الأجرام نجدها تتحرك في أفلاك مختلفة، فهي تدور حول نفسها كل خمسة و عشرين يوما دورة واحدة، وتدور مع سائر كواكب المجرة التي هي فيها بسرعة مليون ومئة وثلاثين ألف كيلو مترا تقريبا في الساعة الواحدة، وهي تجري في ذات الوقت نحو مستقرها بسرعة اثنين وسبعين ألفا وأربعمئة كيلو مترا في الساعة الواحدة، وفي ذات الوقت تدور أقمارها حولها بنظام ثابت ودقيق، و تتحرك سائر الأجرام في هذا الفضاء الرحيب، كل في فلك دون أن يصطدم الواحد بالأخر. أفلا يهدينا ذلك كله إلى ربنا العزيز الرحيم؟!
وهكذا دبر الله شؤون مملكته العظيمة، أحيى الأرض بالغيث ورزق الإنسان منها، ونظم شؤونه بثبات نظام الأرض والشمس والقمر، وأعطى للإنسان فرصة التكامل عبر النظام الذي هو ركيزة أساسية من ركائز الحضارة.
[٤١] ويذكرنا السياق بالركيزة الثانية، وهي وسائل النقل، فلولا قدرة البشر على الإنتقال بنفسه و ببضاعته لما استطاع أن يبني حضارة، وأعظم وسائل النقل هي السفن، فمن أقدم العصور وحتى اليوم كان متن الماء صهوة السفن المختلفة التي حملت الإنسان والمواد أكثر من جميع الوسائل الأخرى، ولا تزال السفن أفضل الوسائل وأرخصها وأكثرها شيوعا، ولذلك لا بد أن تكون للدولة المستقلة منافذ على البحر، والدول التي لا تملك مثل ذلك تعاني الكثير من الصعاب.
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ إن الله- وليس الإنسان- سخر الفلك لحمل البشر عبر المحيطات. ولعل كلمة ذُرِّيَّتَهُمْ تعني أمثالهم ونظائرهم، ذلك لأنه ليس كل الناس يركبون السفن، وقال البعض: إن معناها أطفالهم، لأن الطفل رمز الحنان، وحمله