من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٢ - قالوا طائركم معكم
[٣١] وهم يغفلون عن مصير الغابرين الذين أهلكهم الله بكفرهم واستهزائهم، ولم يبق منهم سوى العبرة أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ وأعظم ما في الغابرين من أسباب الموعظة أنهم قد ضيعوا فرصتهم الوحيدة، وأنهم لا يرجعون أبدا إلى أهلهم أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
ألا نقف على أطلالهم، ونتساءل: أين الذين عمروها وعاشوا في ظلها، وهل يعودون يوما ليروا آثار الدمار الذي لحق ببلادهم، أو ليخبرونا ماذا كان مصيرهم؟ كلا ..
[٣٢] بلى؛ سوف يجتمع الناس كلهم في يوم الحسرة ليحاسبوا حسابا عسيرا، ثم ليجازوا جزاءً وافيا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.
قالوا: إن حرف إِنْ هنا أصلها إن بالتشديد، وإن كلمة لَمَّا جاءت للتأكيد، وهكذا يكون التأكيد يتبع التأكيد لَمَّا للتأكيد، و كُلٌ مبتدأ والتنوين عوض المضاف وهو يفيد معنى التأكيد أيضاً و لَمَّا اللام هي الفارقة بينها وبين النافية، و مَّا فريدة للتأكيد. و جَمِيعٌ مجموع وهو الخبر وفيها معنى زائد على كُلٌ وهو الاحاطة، وهو تأكيد أيضا، أي أنّ كلهم مجموع لدينا.
وقال البعض إِنْ نافية و لَمَّا بمعنى إلا، كما يقول القائل: نشدتك بالله لما فعلت، أي إلا فعلت، والمعنى ما كلهم إلا مجموع لدينا، على غرار قوله تعالى إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، وهذا التفسير متناسب مع تشديد لَمَّا كما في المصحف الشريف.
ويجوز أن يكون معنى لَمَّا هو التوقع، وفيه معنى النفي أيضا، أي لم يقع حتى الآن وسوف يقع.
وكلمة أخيرة: تقول آخر الدراسات التي بحثت عوامل نشوء الحربين العالميتين: إن البشرية انساقت إليها انسياقا، فلا أحد من القادة المتحاربين كان يريدها حربا مدمرة لا تبقي ولا تذر، ولكنهم كمن ينحشر في الزحام يدفع و يدفع ولا يجد سبيلا للخلاص، انحشروا فيها بلا إرادة ووعي.
كذلك حين تتراكم سلبيات الأمم تتفجر في صور شتى، منها: الحروب التي يجازي الله بها العباد. أولم يقل ربنا سبحانه قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥].
واليوم كيف يذر الرب العزيز الحكيم هذه الجرائم ترتكب بحق خلقه؟! هذا الظلم