من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - قالوا طائركم معكم
[٢٦- ٢٧] وفعلا نفذوا التهديد الأرعن بحقه، فوطؤوه بأرجلهم حتى مات، حسب قول، وحسب قول آخر أنهم رجموه حتى قتلوه.
فأدخله الله الجنة، وحينما هم بدخولها تمنى لو كان قومه معه قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه واله أنه قال عن مؤمن يس
(إِنَّهُ نَصَحَ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ) [١].
وهكذا الشهداء يتمنون لو يعادوا إلى الدنيا ليخبروا أهلها بما للشهيد من مغفرة وكرامة.
[٢٨] مضى الصديق حبيب النجار شهيدا إلى ربه، ولم يلبث قومه الجبارون من بعده إلا قليلا حتى أهلكهم الله، ولكن كيف تم هلاكهم؟.
* وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ من الملائكة أو ما أشبه، ولعل ذكر" السّمَآءِ" هنا للدلالة على أن الأمر المهم كان ينزل من السماء.
وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ فما كان ينبغي لرب العزة أن يبعث جندا لمثل هذا القوم. أليس قد تحقق الهدف من دون ذلك؟.
[٢٩] فبماذا تم هلاكهم؟ إنما بصيحة واحدة جعلتهم- في لحظة- كالرماد الخامد، لا حس ولا حركة ولا حرارة إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
[٣٠] ويعقب السياق على هذه القصة التي لخصت تجارب الرسالات تقريبا قائلا يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ إنها تستدعي الحسرات، حتى إن كل شخص يكون في مثل هذا الموقع لا بد أن يتحسر، إن الله خلق عباده ليرحمهم، وأكرمهم بالإرادة والحرية، فاختاروا طريق الهلاك، فبعث إليهم الرسل لينذرهم من مغبة أعمالهم، ولكنهم استهزؤوا بهم، وعرضوا أنفسهم للهلاك الذي يجر الحسرات. كيف ضيعوا فرصتهم الأخيرة بالاستهزاء؟! وكيف أصبحوا وقود جهنم، وكان من المرتقب أن يكونوا ضيوف الرحمن في الجنة؟!.
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ولعل الاستهزاء هو أشد ألوان الكفر، وأبعد سبل الضلالة، حيث يعيش صاحبه حالة العبثية واللااهتمام، ومثله في هذا المقام مثل الطبيب الذي ينصح المريض بالدواء، ويحذره من الهلاك، فبدل أن يشكره المريض، ويبادر إلى تنفيذ أوامره تراه يضحك منه. أوليس مثل هذا الرجل يستدعي الإشفاق والحسرات؟!.
[١] تفسير القرطبي: ج ١٥، ص ٢٠.