من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٩ - قالوا طائركم معكم
مع أنه كان- حسب الروايات- راعياً، ولعل كلمة أَقْصَى الْمَدِينَةِ تشير إلى طبقته الدانية عند أولئك القوم، كما تشير إلى موقعه الجغرافي مما تدل على انتشار الرسالة في صفوف بعض المستضعفين، الذين بالرغم من أنهم كانوا يعيشون في أقاصي المدينة، وليس في أعاليها حملوا مشعل الرسالة بكل قوة.
ولعل تنكير كلمة الرجل للدلالة على اكتمال صفات الرجولة فيه من الهمة العالية، والحزم الشديد، والقول الثابت، كقوله سبحانه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] الأحزاب: [٢٣.
وربما سعى الرجل سعيا لاهتمامه البالغ بالإنذار، وحرصه الشديد على سلامة قومه، وهكذا يحرص أصحاب النفوس الطيبة على أمن الناس، ويتفانون في إبلاغ رسالات الله لإنقاذهم من عذابه المحتوم.
قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ لقد كان الرجل منهم، وخاطبهم بما يتناسب ومقام النصيحة، إذ قال يَا قَوْمِ، وكشف منذ البدء عن إيمانه حين أمرهم باتباع المرسلين.
وروي أنه كان واحدا من الصديقين الثلاثة في التاريخ، فلقد جاء في كتاب (الدر المنثور): أخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
(الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ حَبِيبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قَالَ
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
وَخِرْبِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ
أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ
وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ أَفْضَلهم) [١].
[٢١] ومضى الصديق حبيب النجار في سرد حجج المرسلين قائلا اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً فلا يمكن أن يتهموا بالكذب ابتغاء الأجر، فهم ليسوا سحرة ومشعوذين، ولا طلاب كراسي وسياسيين، ولا أصحاب ثروة ومترفين، فلماذا يكذبون، وإنما يفتري الكذب- خصوصا في مثل هذه الدعاوى العظيمة- من يطلب أجرا من أي نوع كانت، وسيرة الأنبياء كما نمط دعوتهم يشهد لهم بالنزاهة التامة.
وَهُمْ مُهْتَدُونَ بلى، قد يدعي البعض دعاوى كاذبة بجهل أو جنون، وحاشا رسل الله من ذلك، إن رصانة دعوتهم، و كمال عقولهم، وحسن سلوكهم وسيرتهم، ووضوح خطهم، واستقامتهم على الطريق برغم الصعاب، كل أولئك شواهد حكمتهم وأنهم مهتدون.
[١] الدر المنثور: ج ٥، ص ٢٦٢.