من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٧ - قالوا طائركم معكم
الكفار كلا .. ما أنزل الرحمن؟ أم لأنهم زعموا أن رحمة الله تأبى إنزال التكاليف الشاقة عليهم بالرسالة؟ يبدو أن الأول أقرب، فيكون جوابهم مضمرا في حديث أنفسهم.
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ فلأن أصل الرسالة مرفوض عندهم فإن دعوة الرسل تكون- بزعمهم- مجرد كذب، ولعل هذه الآية تدل على أن الرسل كانوا ينطقون عن الله مباشرة.
[١٦] الله تعالى أكبر شاهد على صدق رسله. أولم يودع في ضمير كل إنسان عقلا يهديه إلى الحق؟ أولًا يظهر على أيدي رسله الآيات؟! أولًا ينصرهم؟ أفلا تدل استقامتهم على صدقهم، أنهم واثقون تماما من أنهم مرسلون وأنهم لصادقون؟.
قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ولكن لا يعني تحملهم لمسؤولية الرسالة أنهم مسؤولون عن موقف الناس، إنما جزاؤهم على ربهم.
[١٧] وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فإذا أبلغناكم الرسالة بوضوح تام فقد انتهى دورنا وبدأ دوركم.
ونستوحي من الآية: أن البشر مسؤول عن معرفة الهدى، ولا يحق له أن يبرر جرائمه بأنه لم يكن مهتديا للحق، كلا .. إذا ظهرت دعوة إلى الحق فعليك أن تتفكر من دون عصبية، وترى هل هي صادقة أم لا.
[١٨] ينام الجاهليون على حرير التبريرات غارقين في شهواتهم، فإذا جاءهم نذير وقدم لهم الوعيد بأن عاقبة غفلتهم الدمار، فإنهم يتشاءمون منه، ويزعمون أنه يكدر عليهم صفو معيشتهم، فمثلهم مثل مريض، تفشى في جسده مرض السرطان، وهو لا يدري، فإذا أخبره الطبيب وحذره من مغبة غفلته ثار عليه، وقال: إنك منكد، لماذا أنت سلبي؟.
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ تشاءموا منهم، وزعموا أن بيان سلبياتهم، والدعوة إلى إصلاح الفاسد من حياتهم، هو سبب الإزعاج عندهم.
واحتمل بعض المفسرين أن يكون قد نزل عليهم البلاء عند بلاغ الرسل، كما نزلت على فرعون وقومه آيات الدم والسنين و ... ويبدو أننا لسنا بحاجة إلى مثل هذا الفرض.
لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ هكذا بلغ عنادهم أسفل درك له حين هددوا المرسلين بالرجم لو لم يكفوا عن دعوتهم، وسواء كان الرجم هو جراحات اللسان التي لا تلتئم، حيث توعدوهم بتلفيق التهم المختلفة ورجمهم بها، كعادة الطغاة و المترفين دائما، أم كان معنى الرجم هو الرضخ بالحجارة حتى الموت، فإن ذلك دليل على هزيمتهم أمام حجة المرسلين فتوسلوا