من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٥ - قالوا طائركم معكم
وسائر فصول الصراع المعروفة، فهي- بالتالي- تجمع جملة الحقائق التي ذكرت بها آيات الكتاب في هذا الحقل.
ثانياً: تمثلت فيها سنة الله في الإنذار، وعادة الجاهليين في الإنكار، واللتين ذكرت بهما آيات الدرس الآنف، وهكذا تكون القصة حجة على الحقائق التي بينها القرآن في فاتحة السورة.
ثالثاً: إن سورة يس تبين واقع الجاهليين العرب وهو قريب جدا من واقع أصحاب القرية (في أنطاكية) ذلك لقرب العهد الزمني، وتشابه الرسالتين (رسالة الله إلى عيسى عليه السلام ورسالته لمحمد صلى الله عليه واله) وهكذا وجب أن نستخلص منها العبرة ربما أكثر من أي قصة أخرى.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا إن هذا المثل ينطبق على مثلهم، لأنهما من نوع واحد وحزب واحد.
أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ أين كانت هذه القرية، ومن هم المرسلون إليها؟
قالوا: إنها كانت أنطاكية ثانية حواضر الروم، والواقعة اليوم في تركيا على حدود سوريا وما زالت عامرة إلى يومنا هذا. إلا إنها في ذلك اليوم كانت أكثر أهمية، ويحترمها المسيحيون لأن بولس وبرنابا وآخرين زاروها.
أما قصة الرسالة فلم يختلف المفسرون فيها إلا في بعض التفاصيل، وهي باختصار
إن عيسى عليه السلام بعث اثنين من الحواريين إلى تلك القرية بالرسالة، فلما بلغاها وجدا في أقصاها حبيب النجار فدعياه إلى الرسالة فآمن، ولما دخلا المدينة دعوا الناس فآمن بعضهم، ومر بهما الملك ذات يوم فكبرا (و يبدو أنهما لم يجدا طريقا لدعوته غير ذلك) فحبسهما الملك، وبعث عيسى عليه السلام الرسول الثالث لتعزيز موقف الأولين (ولعله كان وصيه شمعون) فتقرب إلى الملك حتى استخلصه فحدثه عن شأن الرسولين، وطلب منه أن يسمع منهما الحجة، فلما أظهرا حجتهما بإبراء الأكمه وإحياء الموتى (حيث إن ابن الملك أو ابن واحد من حاشيته كان قد مات قبل أسبوع فأحياه الله بدعائهما) آمن الملك و بعض قومه، إلا إن الغلبة كانت للمكذبين الذين أهلكهم الله بصيحة واحدة.
وهكذا يرتفع الاختلاف الظاهر بين روايات التفسير التي تنقل أن الملك آمن، وبين ظاهر الآية التي تنبئنا بهلاك أولئك القوم، ذلك أن إيمان الملك- حسب هذه الرواية التي نقلها الفخر الرازي- لم يؤثر في الطبقات المسرفة من قومه، فأنزل الله عليهم العذاب، والله العالم.
[١٤] وليس المهم أن نعرف تفاصيل القصص القرآنية، إنما المهم أن نتدبر في الجوانب