من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - قالوا طائركم معكم
هدى من الآيات
حين تتراكم حجب الغفلة على الأفئدة لا ينتفع أصحابها بالنذر، كذلك قال ربنا آنفا، وهو الآن يضرب مثلا من أصحاب القرية التي جاءها المرسلون فلم يؤمن أغلبهم، بل قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، ولم ينفعهم أن الله يشهد على صدق الرسل، وأنهم مسؤولون عن موقفهم، وليس النذر، وبالغوا في التكذيب، إذ تطيروا بالرسل، وتشاءموا من دعوتهم، ولكن الرسل استقاموا في تحديهم لأولئك الجاهلين، بالرغم من توعدهم بأنهم سوف يرجمونهم إن لم ينتهوا من دعوتهم، بأغلظ ما يمكن، فقال الرسل: إن تشاؤمهم إنما هو من أنفسهم، وتهديدهم بالعذاب لا يلويهم عن تذكيرهم، وإنه لدليل على توغلهم في الجريمة.
وهناك انتشرت الدعوة وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى لينذر قومه قبل أن يحل بهم العذاب لتكذيبهم الرسل، فنصح قومه إشفاقا عليهم باتباع المرسلين، الذين تدل على صدقهم حجتان
الأولى: أنهم لا يسألونهم أجرا.
الثانية: أنهم مهتدون، وذكرهم بربهم بأبلغ صورة.
أوليس هو الذي فطرهم، فلماذا ينكرونه؟! أوليس المرجع إليه، فلم لا يرجونه أو يخافونه؟! أم يعتمدون على الآلهة التي لا تضر ولا تنفع، ولا تمنع عذاب الله عنهم؟! إنها الضلالة الواضحة، ثم تحداهم بكل عزم وقال إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس: ٢٥]، لقد أخذ الرجل وعذب ثم قتل ثم أحرق، ولكن السياق يتجاوز كل ما حدث إلى العاقبة فيقول: قيل له ادْخُلْ الْجَنَّةَ ...- وبقي حنين هذا الصديق إلى بعد استشهاده، فتراه يقول وهو يدخل الجنة:- قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ [يس: ٢٦- ٢٧].
بينات من الآيات
[١٣] قصة المرسلين الثلاثة إلى قرية (أنطاكية) التي جعلت قلب سورة (يس) التي هي بدورها قلب القرآن تتمثل فيها الحقائق التالية
أولًاً: توجز مفصلات الصراع الرسالي مع الجاهلية، حيث نرى فيها جانبا من حوار الرسل مع الأمم الغاوية، وحججهم البالغة عليهم، وشبهات الكفار وردود المرسلين عليها،