من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - إنك لمن المرسلين
يحيي الله بقدرته التي لا تحد الموتى جميعا، بعد أن سجل عليهم للحساب أعمالهم التي فعلوها في حياتهم وقدموها لتستقبلهم عند الموت، أو التي خلفوها وراءهم من سنة حسنة أو سنة سيئة.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى إنه وعد صادق، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا من أعمال صالحة تتجسد ثمة جنات وحور عين، أو ذنوب تتجسد ثمة نيرانا وحيات.
وَآثَارَهُمْ فالصدقات الجارية، والعلم الذي يهتدي به الناس، والأولاد الصالحون، هي الروافد المستمرة التي تنمي حسنات المؤمن بعد موته، بينما كتب الضلال، وسنن الظلم والانحراف، والتربية الفاسدة للأبناء، تلاحق الفاسق حتى بعد وفاته. هكذا روي عن النبي محمد صلى الله عليه واله
(مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلى يَوْم القِيامَةِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيئَةً كَانَ عَلَيْهِ وزْرهَا وَوزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلى يَوْم القِيَامَة) [١].
وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ما هو ذاك الإمام الذي أحصى الله كل شيء فيه؟ هل هو اللوح المحفوظ؟ أم طائر كل شخص الذي ألزمه الله في عنقه، ويلقاه يوم القيامة منشورا؟ أم هو إمام الحق.
لعل القرآن الحكيم يشير إلى كل ذلك وأكثر، إذ إن كلمات القرآن لا تتحدد في إطار السياق فقط، بل تتجاوزها لبيان حقائق الخليقة، بلى؛ يكون ذكر هذه الحقيقة هنا وتلك هناك بمناسبة موضوعات السياق.
أما الحقيقة التي نستوحيها من الآية فهي: إن لكل شيء إماما تتمثل فيه خصائصه بصورة متكاملة، فالأنبياء وأوصياؤهم- أئمة الرشاد- تتمثل فيهم كل صفات الخير والفضيلة، بينما الفراعنة والطغاة- أئمة الكفر- تتجسد فيهم كل صفات الرذيلة والشر.
ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن أئمة الهدى تفسير هذه الآية الكريمة بالإمام أمير المؤمنين حيث روي عنه عليه السلام قوله
(أَنَا وَالله الإِمَامُ المُبِينُ أُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ وَرِثْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله
صلى الله عليه واله) [٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٧١، ص ٢٠٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٥، ص ٤٢٧.