من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - الإطار العام حقيقة الرسالة ركيزة الحياة
ويعطف القرآن الحديث عن الآخرة- بعد أن خشعت النفوس الطيبة بتصوير مشاهد منها- يعطفه إلى ردشبهاتهم حول الرسول صلى الله عليه وآله فيقول: وما علمناه الشعر (ولا يتناسب حديثه والشعر أبداً) إن هو إلا ذكروقرآن مبين، ويهدف إنذار من يملك قلباً حياً، أما بالنسبة إلى غيرهم فلكي يتم الحجةعليهم (الآيات: ٦٩- ٧٠).
ويذكرنا السياق بالتوحيد الذي هو أساس كل عقيدة صالحة، فمن آمن بالله حقاً لم يطع الشركاء الموهومين، بل أطاع الرسول الذي أمر الله بطاعته فقط، أو لم يروا أنّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً (ثم خولناهم التصرف فيها، وجعلناها ذلولًا يسخرونها) فهم لها مالكون؟ (و بعد ذكر نعم الله يوجههم إلى الشكر الذي من أبرز معانيه الإيمان بالله وطاعة رسوله، ولكنهم أشركوا) واتخذوا من دون الله آلهة (و هم يريدون جبر نقصهم بها) لعلهم يُنصرون، (والواقع أن العكس هو الصحيح) والآلهة لا يستطيعون نصرهم، بل إن المشركين لهم جند محضرون (الآيات: ٧١- ٧٥).
ويخاطب السياق الرسول ليثبت فؤاده ولينذر الكفار، ويقول: لا يحزنك ما يقولون لك، إن الله يعلم سرهم وعلنهم (الآية: ٧٦).
ويعود السياق إلى الإيمان بالآخرة، وكيف يكفر بها هذا الإنسان الذي أسبغ الرب عليه النعم، ويخاصم فيها بكل صلافة، أفلا يرى الإنسان أنه مخلوق من نطفة (مهينة) فإذا به يصبح خصيماً لله؟! فهو يتقلب في نعم الله ويجادل في آياته (٧٧)، ويضرب الانسان مثلًا فيأخذ عظماً يفتته ويقول: من يحيي العظام وهي رميم؟! قل: يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم فالله يعلم أين ذهبت ذرات جسد هذا الشخص أو ذاك، وهوالذي جعل من الشجر الأخضر ناراً لكم توقدون عليها مع أن النار باطنة فيها، وهو الذي خلق السماوات والأرض فهل يعجزه إرجاع البشر؟! كلا؛ وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ (و تعالى عما يصفه الجاهلون بالنقص والعجز. كلا؛ هو العلي المقتدر على بعث الإنسان) وإليه ترجعون (الآيات: ٧٨- ٨٣).
وكلمة أخيرة؛ لقد ذكرت النصوص أن (يس) قلب القرآن، وهي- بحق- غرة السور المكيةالتي جاءت فيها حقائق الرسالة بصورة مركزة، مما يجعلها ركيزة الحياة للإنسان المسلم، لأنها حوت خلاصة دروس الحياة، وحكمة المرسلين، ومتطلبات الحضارة.