من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٦ - ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله
سلطة طاغية، وثروة عريضة، وشهرة واسعة.
ولقد قلنا مرارا: إن التكبر ومظهره الاستكبار أخطر حاجب بين البشر وبين الإيمان بالحقائق.
اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ قال الرازي عن المكر السيئ: (إنه إضافة الجنس إلى نوعه، كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة، وتحقيقه أن يقال معناه: ومكروا مكرا سيئا ثم عرف لظهور مكرهم ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيئ لكون السوء فيه أبين الأمور) [١].
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ الخطط الفاسدة سوف تكون لها انعكاسات على الواقع الاجتماعي، بيد أن أثرها الأبلغ سيكون على صانعها.
والكلمة هذه ذروة ما نفهمه من البلاغة، إذ ذكرنا الرب بأن المكر السيئ يَحِيقُ بصاحبه من جميع جوانبه أي يحيط به، وهذا أبلغ من القول أنه يلحق به أو يصيبه، لأن صاحب المكر يزعم أنه قادر على الفرار من عاقبة عمله، ولكنه يحيق به فلا يقدر هروبا، ثم أن القرآن عبر بِأَهْلِهِ ولعل السبب يكمن في أن كل العاملين مكرا ليسوا بأهله، بل بعضهم ممن تعمده واتخذه سبيلا، ثم إن الحصر يفيد أن الذي يمكر بهم ينجون عادة من المكر على حساب أهله، وقد قالوا: (من حفر بئرا لأخيه وقع فيه).
وكيف يمكن أن نكتشف هذه الحقيقة؟.
يقول ربنا: انظروا إلى التأريخ، فالتأريخ يحكي سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول، ويتساءل: هل هم ينتظرون عاقبة مثل عاقبتهم؟!.
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ كيف أنهم أهلكوا بما كسبوا، وكيف حاق مكرهم بهم فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا على مر العصور، السنة هي السنة في الغابر والحاضر، لن تتبدل، ولن تتحول، بأن يستطيع أحد أن يدفعها عن نفسه إلى غيره وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.
[٤٤] والدليل على عدم تبديل سنة الله أو تحويلها تجارب التأريخ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كقوم عاد الذين قال الله في حقهم وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف: ٢٦].
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً لا يحد
[١] التفسير الكبير عند تفسير الآية: ج ٢٦ ص ٣٤.