من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
لصاحب الحق والعلم، إنما للمترف بما يملك من المال والأتباع.
الثاني: الاعتقاد بأن من يملك المال والرجال لا يلحقه الأذى، ولا يشمله العذاب الإلهي، حتى ولو فعل الفواحش.
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ولعل هذه الفكرة تكون سببا لتوغلهم في الجرائم، لأن اعتماد الإنسان على ما يملك من مال ومؤيدين، بعيدا عن هدى الله والعقل يقحمه في المهالك، وهذا ما دفع أمريكا للدخول في حرب فيتنام، فتمرغ أنفها، وسقطت هيبتها المزيفة، كما سقط الإتحاد السوفياتي باحتلاله أفغانستان الإسلامية غرورا واستكبارا، فتعرضت لهزائم منكرة على يد المسلمين هنالك.
وما يدريك لعل الغرور يكون سببا لانتهاء الجاهلية الحديثة؟ فقد قال الإمام علي عليه السلام يصف بعض الأقوام
(زَرَعُوا الفُجُورَ وسَقَوْهُ الغُرُورَ وحَصَدُوا الثُّبُورَ) [١].
وقال عليه السلام
(طُوبَى لِمَنْ لَمْ تَقْتُلُهُ قَاتِلاتِ الغُرُور) [٢].
[٣٦] ويعالج ربنا هذا الانحراف النفسي حينما يذكر بأن ما في أيدي الناس من مال إنما هو من عند الله لا من عند أنفسهم حتى يغتروا بها.
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ فتارة يزيد الله الرزق للعبد حتى يكفيه وأكثر، وتارة يضيق عليه فيه، فالغنى والفقر إذن بيده عز وجل، ولعل غنيا اليوم يكون فقيرا غدا أو العكس، إلا إن الغالبية من الناس لا يعقلون هذه الحقيقة لأنهم لا يعلمون إلا ظاهر الحياة الدنيا، فيعتقدون مثلا أن سعيهم فقط يدر الرزق، ولو تعمقوا في الحياة قليلا لعرفوا أن ذلك وسيلة فقط أما السبب الحقيقي فهو رحمة الله.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ولعل من مشاكل البشر العقلية والنفسية أنهم لا يتدرجون في تعليل ظواهر الحياة لمعرفة العلة الأسمى والأرفع، إنما يقتصرون على الأسباب الظاهرة المباشرة.
[٣٧] ثم لنفترض بأن المترفين يملكون الأموال والأولاد، فهل ذلك يقربهم إلى ربهم. كلا ..
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ١١٧.
[٢] غرر الحكم: حكمة ٧١٧٥.