من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٨ - هل يجزون إلا ما كانوا يعملون
ويجعلهم مبرئين من الجرائم التي يرتكبونها بحق بعضهم، ويقولون: المأمور معذور، وكأن الله أمرهم باتباعهم، أو أنه خلقهم مستضعفين وجعل أولئك مستعلين عليهم.
[٣٣] ومن صور الفكر التبريري الذي يعتمده الإنسان: اعتقاده بأن الزمان هو الذي يفرض عليه نوعا من السلوك، فيلقي عليه اللوم!.
إن تطاول واستمرار تضليل المستكبرين للمستضعفين مع خبث الأساليب وتنوعها له دور كبير في الإضلال. ومع أن هذا مما لا يجد معه المستكبرون دفعا له إلا أن هذا لا ينفع المستضعفين المتابعين لهم.
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً والكفر بالله ليس بالضرورة نفي وجوده بقدر ما هو تحدي رسالاته، واتباع الأهواء، أو الأشخاص، أو القوانين الوضعية، وهذا ما يبعث على الإنسان بالندامة يوم الحساب، حيث يتبرأ منه الأنداد المزيفون، ويكتشف أنهم لا ينفعونه بل يضرونه، وأن الكلمة الفصل هناك لله الحق.
وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ ولات حين مندم. وقد أسروا إذ أن إظهاره لا ينفعهم وقد أسقط في أيديهم أن تبريراتهم ليست بشيء.
وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا وحتى يقاوم الإنسان فكرة إلقاء المسؤولية على الآخرين، يؤكد القرآن مرة أخرى بأن ما يلاقيه الإنسان في الآخرة من ألوان العذاب وصنوفه هو جزاء أعماله في الدنيا، وأساسا- في الرسالة الإلهية- الجزاء من جنس العمل، فالصلاة التي يقيمها المؤمن في الدنيا تتحول حورية في الآخرة، وعلى العكس فإن الغيبة تصبح زقوما يؤذي صاحبه، وربما تحولت إلى حيات وعقارب والتي ورد في الحديث أن حجمها بحجم البغل، ولعل الأغلال التي يجعلها الله في أعناق الكفار هي ذات القيود التي يغل بها الناس أنفسهم باتباعهم في الدنيا للأهواء والأشخاص والقوانين، ولعل خاتمة الآية تشير إلى ذلك حين تقول هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ولم يؤكد القرآن الكلام بحرف الباء فيقل: بما كانوا يعملون، للإشارة إلى أن الأغلال هي ذات الأعمال التي عملوها في الدنيا والله العالم.