من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - هل يجزون إلا ما كانوا يعملون
أرضية يزعم أنها تمنعه من ربه، وتخلصه من جزاء كفره، ثم يستكبر على ربه، ويتحدى رسالاته، لذلك يبين السياق بطلان ذلك، ويصور لنا مشهد الحوار بين الكفار ومن كانوا يعتمدون عليهم في الدنيا في كفرهم بالرسالة، فيقول وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يلقي بعضهم المسؤولية على البعض الآخر، طمعا في النجاة من الذل والعذاب. يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ متصورين أنهم يقدرون على ذلك، كما هو الحال في الدنيا، ويتشبث بعضهم وهم المستضعفون بحجة اتباع المستكبرين يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ولكن هل خلق الله الناس مستكبرا ومستضعفا حتى يكون لبعضهم على بعض سلطان مبين؟! كلا .. بل خلقهم أحرارا، ولكن خضع بعضهم للبعض الآخر بحريته، فشجعه على الاستعلاء في الأرض.
ولو عرف الإنسان مدى ضلالة الاعتماد على أولي القوة والثروة وأدعياء العلم والدين ممن ينصبون أنفسهم سادة على الناس، ويأمرونهم باتباعهم، لما تورط كثير من الناس في الجرائم، اتباعا للسلاطين والمترفين ومؤيديهم من أدعياء العلم والدين.
ولكن الإنسان يزعم أن هؤلاء المستكبرين ينقذونه من عذاب ربه يوم القيامة، كما أنهم يوفرون له بعض الحماية في الدنيا، ولا يعلم أنهم مجرد ابتلاء له في الدنيا، وأنهم لا يغنون عنه من عذاب ربه شيئا.
[٣٢] أما المستكبرون فإنهم من جانبهم يدفعون عن أنفسهم التهمة بأن الإنسان حر ومختار، لا يمكن لأحد إجباره على نمط معين من الحياة، وإذا ترك الحق للباطل فبما ينطوي عليه قلبه من النزوع إلى الجريمة.
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم يحاولون إلقاء المسؤولية عن كاهلهم.
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بلى، قد يتوسل المستكبرون بالمكر والأساليب المضلة، ولكن يبقى الإنسان صاحب القرار، وإذا انحرف فلخبث في سريرته، ولا يعدو إضلال المستكبرين له دور التشجيع بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ.
وهذا ضرب من الشماتة على الإنسان من قبل من كان يزعم أنه يخلصه وينجيه، ولعل ذلك من أشد أنواع العذاب الذي يلقاه أصحاب النار.
ولو عقل الناس هذه الحقيقة لانهارت أسس الظلم في المجتمعات، حين يعلو المستكبرون فيها، ويعيثون فسادا، ويتبعهم المستضعفون زاعمين أن ذلك يلقي المسؤولية عن كاهلهم،