من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - هل يجزون إلا ما كانوا يعملون
لكل عمل صالح جزاء حسنا يبشر به الرسول، ولكل جريمة عقابا ينذر به.
[٣٠] ويبطل السياق هذا التبرير أيضا بأن الجزاء آت، وأن تأخيره لأجل محدود، وأنه حين يحين ميعاده لا يتأخر ساعة ولا يتقدم.
قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ وقد أخفى الله أجل الإنسان، فهو لا يدري متى يوافيه الموت والجزاء، ولعل أي لحظة يمر بها تحمل في طياتها أجله، مما يدعوه إلى التسارع والمبادرة لعمل الخير، والاستقامة عليه. يقول الرسول صلى الله عليه واله لأبى ذر رضي الله عنه
(يَا أَبَا ذَرٍّ اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) [١].
ذلك أن الحكمة من إخفاء الأجل هي بعث روح المبادرة في الإنسان، هكذا يقول الإمام الصادق عليه السلام
(ثُمَ
(لو)
عَرَفَ ذَلِكَ
- يعني أجله-
وَثِقَ بِالبَقَاءِ وَانْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَالمَعَاصِي وعَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَقْبَلُه
- إلى أن يقول عليه السلام-
فَكَانَ خَيْرَ الأَشْيَاءِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ المَوْتَ فَيَتْرُكَ المَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ العَمَلَ الصَّالِح) [٢].
والساعة التي تعنيها الآية الكريمة ليست كما هي عندنا، إنما هي في عرف القرآن اللحظة وأقل منها. والناس يموتون بين فاتح لعينه وآخر مغمضها. ولا يتأنى لأحد دفع الموت أو تأخيره بل ولا الانتقال من حال إلى حال. إذن لماذا نستهين بالزمن! ولماذا نقتل المسافة التي تفصلنا عن أجلنا باللهو واللعب والمعصية، ونحن لا نعرف متى ينتهي هذا الزمان!
[٣١] إن من عقبات الإيمان بالرسالة حالة العناد التي يعالجها الذكر ببيان نتائجها السيئة، فيحدثنا السياق عن كلمة الكفار: بأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا بالكتب التي سبقته، وكأنهم قد عقدوا العزم على هذا الرفض القاطع لرسالات ربهم.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ والله يعالج مشكلة العناد هذه عن طريق تصوير مشاهد رهيبة من يوم الآخرة.
ومن بين تلك المشاهد التي تتعرض لها آيات هذا الدرس وقوف الظالمين أمام ربهم، يلوم بعضهم بعضا، ولعل هذه المعالجة القرآنية تدل على أن الإنسان يعتمد أولًا على قوة
[١] وسائل الشيعة: ج ١، ص ١١٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٨٢.