من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - بل هو الله العزيز الحكيم
الصادقة، وهذا ما يفسر الروايات التي جاءت مؤولة الآية الكريمة بأنها تعني القيادة الرسالية [١].
[٢١] ولكن هل هو جبرٌ الانصياع إلى أمر إبليس، حتى يبرر الإنسان انحرافه بأن لا حول له ولا طول تجاه ضغوطه وأساليبه الماكرة؟ بالطبع كلا .. والله ينفي هذه الحتمية بعد الإشارة إلى عدمها، من خلال تقسيم الناس إلى مطيعين لإبليس ومخالفين له، إذ لو كانت حتمية تقضي بالخضوع له لما تمرد عليه فريق المؤمنين، فالناس إذن هم الذين يقررون طاعة الرب أو اتباع إبليس.
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ يقهرهم به، بلى إن وسائل الشيطان والطغاة كثيرة وماكرة، ولكن الإنسان قادر على مواجهتها ببصيرة الإيمان، وسلاح التوكل، ولو تسلح بهما لما أضعفت نفسيته ولما ضللته وسائل الإعلام والتوجيه المنحرفة وغيرها.
والله يؤكد أن الهدف في خلق إبليس ليس إضلال الناس، فحاشا لله أن يريد إضلال عباده وقد خلقهم ليرحمهم، وإن أراد ذلك لما بقي أحد مؤمنا، وإنما خلقه ليمتحن الناس من خلاله إِلَّا لِنَعْلَمَ علما فعليا لا الذاتي واقعيا مستندا لفعل العباد مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍ وإلا فإن الله بكل شيء عليم، يعلم بمعرفته وخبرته المطلقة المؤمن من الكافر.
والآية تؤكد على الإيمان بالآخرة هو حجر الزاوية في مسيرة الإنسان وتحديد مصيره، بل وفي إيمانه، وبالتالي فإن شكه فيها يبعثه على الشك العام في سائر الحقائق.
وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ يسجل للإنسان أو عليه كل عمل وحركة، ويحفظها في كتابه الذي يلقاه يوم القيامة منشورا.
ونستوحي من الآية أن ثمة سلطانا محدودا لإبليس على بني آدم، لا يبلغ درجة الحتم بل يقف عند حدود الضغط، وأن الحكمة من إعطاء إبليس هذا السلطان المحدود ابتلاء البشر ليعرف مدى إيمانهم بالآخرة، فمن كان إيمانه بها ثابتا فإنه يثبت أمام إرهاب إبليس ومن يتبعه ويمثله من أولي القوة والثروة والتضليل، ألا ترى كيف صمد السحرة بعد إيمانهم برب موسى وهارون عليه السلام أمام تهديد فرعون لأنهم كانوا واثقين من اليوم الأخر، فلم يفلح إبليس وخليفته فرعون من النيل من صلابتهم شيئا. تعال نقرأ القرآن قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
[١] راجع نور الثقلين: ج ٤، ص ٣٣٣- ٣٣٤.