من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٧ - بل هو الله العزيز الحكيم
وتنسف فكرة الاطمئنان إلى الدنيا بأن الدنيا مرحلة بسيطة في حياة البشر، وتبطل الجبر بتأكيد إرادة الإنسان ومسؤوليته.
وأول ما يعالجه هذا الدرس- الذي جاء لينقض جانبا من الثقافة السلبية- هو فكرة الحتمية، فالكثير من الناس يسعون لتبرير واقعهم المنحرف (السياسي) كخضوعهم للسلطات الجائرة ومؤسساتها، أو (الاجتماعي) كاستجابتهم لضغوط الآباء والمجتمع أو (الاقتصادي) كاستجابتهم للنظم الاقتصادية الفاسدة وما أشبه بفكرة الجبر والإكراه، وإذا أراد البشر تحدي حتمية اتباع إبليس، ومن يجسده في الدنيا، فعليه أن يتسلح بالإيمان بالآخرة، لأنه يعلو به على الحتميات. فلو هدده الطاغوت بالقتل إذا لم يتحول إلى خانع تابع له، وعبد يسعى في خدمته وأهدافه، لقال قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ [الأعراف: ١٢٥]، وإذا توعده بالسجن قال السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي [يوسف: ٣٣]. وهذا المنطق هو الذي جعل السحرة يستقيمون أمام جبروت فرعون وظلمه.
بينات من الآيات
[٢٠] حينما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أبى إبليس- الذي جمع معهم لعبادته- السجود تكبرا، فطرده الله بعد أن حذر البشر منه، فقال إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ١٦٨]. لكن إبليس اكتشف نقاط الضعف في الإنسان من حب للمال والسلطان، فظن في نفسه أنه قادر على إغوائه لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [النساء: ١١٨]. والله يؤكد أن إبليس وجد لظنونه مصداقا بين الناس.
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ولعلنا نستفيد من هذا التعبير أن إبليس ظن أنه سوف يتخذ من أبناء آدم نصيبا مفروضا، ثم سعى حتى جعل ذلك الظن الذي ظنه صادقا وذلك بإغواء الناس.
بلى؛ إن إبليس عدو خطير لأنه قد خطط سلفا للإيقاع بالبشر، وسعى جاهدا لتنفيذ تلك الخطط. وهكذا اتبعه الناس أجمعون، إلا مجموعة من الناس هم الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر.
فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ولا يدل هذا الاستثناء، على أن الفريق الآخر من المؤمنين اتبعوا إبليس، إذ معنى مِنْ هنا التفسير والبيان، أي اتبعه إلا فريقا وهم المؤمنون.
ومن أهم مصاديق صرف الشيطان للإنسان عن الحق هو إضلاله عن اتباع القيادة