من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٩ - صورتان لحضارتين
وشكر الله، ويتمثل الثاني في قصة سبأ وقرى أخرى، حيث لم تنفعهم الحضارة الزراعية التي أنعم الله بها عليهم، إنما ازدادوا كفرا بدل الشكر، وتوغلا في الجاهلية.
ومن اختلاف هاتين القصتين نعرف: أن السلطة- كما القوة- ليست شيئا مكروها أو ممدوحا بذاتها عند الإسلام، أو في نظر العقل، إنما موقف الإنسان منها هو الذي يضفي عليها صفة الخير أو الشر، فإذا اتخذها طريقا للخير كانت خيرا وإلا فشر.
كما نستفيد من واقع القصتين أن هناك أجلين لحياة الإنسان ولما يعطيه ربه من النعم
الأول: هو الأجل المسمى المحدد عند الله، وهو العمر الطبيعي للإنسان.
الثاني: الأجل المعلق والذي يستنزله الإنسان بعمله، فيطول إذا أكان العمل خيرا كالصدقة والإحسان، ويقصر إذا كان شرا كقطيعة الرحم.
فبالنسبة للحضارات لا تبقى للأبد لأن هناك سنة إلهية عليا تقضي بفناء الإنسان، وبوار ملكه بعد أن ينقضي أجله المسمى، قال ربنا سبحانه وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]، وقال وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥].
وهكذا نجد أن الحضارات تسير ضمن دورة معينة، فعادة ما يعقب نموها وازدهارها التدهور والانحطاط، والذي يمكننا أن نسميه بالأجل الطبيعي للحضارة.
ولكن الناس كثيرا ما يستعجلون هذه السنة بعصيانهم وكفرهم، الأمر الذي يسبب موت كثير من الحضارات في ريعان شبابها.
إن قصة سليمان ووالده عليهما السلام صورة للحضارة التي امتدت فترة من الزمن، ثم انتهت بصورة طبيعية، بينما قصة سبأ الذي انتهت حضارتهم بسيل العرم صورة مناقضة تجسد النهاية غير الطبيعية. فداود وسليمان عليهما السلام ضربا مثالا للحضارة البشرية النموذجية، ولما تم المثل انتهت حضارتهم، فهي بدأت من نشأتها حتى صارت شبابا ثم هرمت وماتت، لكن حضارة سبأ ماتت في شبابها.
بينات من الآيات
[١٤] أبقى الله نبيه سليمان عليه السلام منتصبا على عصاه بعد الموت، وذلك بهدف فضيحة الجن الذين كانوا يدعون بأنهم يعلمون الغيب، ولإبطال الاعتقاد السائد لدى قسم من الناس بأنهم كذلك، والذي تحول إلى نمط من الثقافة الجاهلية بل عبادة، ولعل لهذه الحادثة أثرها