من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٤ - اعملوا آل داود شكرا
ويبدو لي أن السياق يؤكد على أن السبب في كفر هؤلاء بالرسول يكمن في كفرهم بالآخرة الذي يجعلهم يواجهون الحقائق دائما فيعيشون العذاب. أرأيت كيف يعاني من يعارض حكومة قاهرة، كيف يحيط به العذاب، كذلك الذين لا يؤمنون بالآخرة يضطرون مخالفة حقائق الخليقة.
ومن جهة ثانية إنهم يعيشون في حالة من الضلال البعيد جدا عن الهدى، وآية ذلك أنهم ينسبون من يهديهم إلى الحقائق وإلى سبيل سعادتهم إلى الجنون، فهل تترقب لمثل هؤلاء هدى؟
ونستوحي من الآية أنه لا يضل الإنسان عن أهدافه وعن الحقائق، إلا عندما يكون الطريق الذي يختاره خاطئا، وهؤلاء حين كفروا بالبعث وقعوا في الانحراف الكبير.
[٩] و حتى يتسع أفقهم، ويهتدوا لصحة الحقائق، وما يقوله الرسول، يدعوهم القرآن للنظر في آيات الكون العظيمة والتفكر فيها، لأنها علامات وشواهد على قدرة الله. كما إنه ينذرهم بأن استرسالهم في الضلالة قد يعرضهم لعذاب شامل من نوع عذاب القرون الغابرة، كأن يخسف الله بهم الأرض أو يسقط عليهم من السماء شهبا.
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ ويبين لنا ربنا حقيقة هامة هي: إن الكون المحيط بنا قائم بالله، وتهيمن عليه وتدبر شؤونه قدرته القاهرة، كما تشير الآية إلى بعض الحقائق العلمية، فقد جعل الله الأرض في موقع معين، وضمن نظام دقيق بحيث تحافظ على اتزانها، وتمكن الخلق من العيش عليها، وأنشأ حجابا واقيا بين الأرض والسماء، هو الغلاف الجوي الذي يمنع سقوط النيازك والشهب من السماء على الأرض.
ولكن من الذي يكشف هذا النظام المحكم وما وراءه من عظمة الرب؟.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ إن الآيات وحدها لا تهدي الإنسان إلى الحقيقة كلها، فقد يؤمن بها ويتبعها الفرد فتأخذ بيده إلى الهدف، وقد يراها ولكنه يكفر بخلفياتها وما تشير إليه فلا تنفعه، والقرآن يقول بأن الآيات المبثوثة في الكون تهدي إلى الحقيقة، ولكن على شرط أن يكون المتفكر فيها عبدا مسلما لله، فالعبودية والإنابة إذن شرطان للاستفادة من الآيات.
إن من مشاكل الإنسان أنه حينما يسير في ركاب العلم، وتنكشف له الحقائق، وتتضح أمامه الألغاز المهمة في الحياة، فإنه لا ينظر إلى خلفياتها إنما ينظر إليها بذاتها، فهو حينما