من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - اعملوا آل داود شكرا
فقد بلغ داود من الملك والسيطرة مبلغا عظيما، حتى شملت هيمنته الطبيعة فكانت الجبال والطيور تسبح معه، والحديد طوع يده يصوغه كيف يشاء، أما سليمان فقد ورث ملك والده، وزاده الله عليه ملكا، وهذه القصص والأمثال تفتح أمام البشر آفاقا، وتدعوهم إلى السير فيها والوصول إلى أبعادها، فقصة داود توحي بإمكانية تسخير الطير والحديد لخدمة الحضارة الإنسانية، وقصة سليمان تشير إلى إمكانية الاستفادة من الريح.
بينات من الآيات
[٧] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم يستهزئون، ويحاولون الانتقاص من الرسول والرسالة هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي تفرقت أعضاؤكم، وتمزقت بددا. إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
[٨] ثم يتساءلون بحيرتهم أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً هل ما يدعيه افتراء على الله؟!.
إنهم لو عادوا إلى وجدانهم لعرفوا أن الرسول لا يمكن أن يفتري على ربه الكذب، وهو الصادق الأمين، وقد بين بوضوح العقاب الذي ينتظر الذين يفترون على الله الكذب، ثم إنه أول المصدقين بالبعث، والعاملين بما يستوجبه هذا التصديق. ألا يرون كيف يكاد يشقي نفسه بالعبادة حتى نزلت عليه الآية طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه: ١- ٢].
لذلك تراهم أضربوا بالترديد عن الافتراء، إلا إنهم بكفرهم قالوا فيه قولا كبيرا، لأنهم كانوا من المعاجزين الذين يعملون بجهدهم على مقاومة القرآن، قالوا
أَمْ بِهِ جِنَّةٌ وهي الجنون. والترديد بين الافتراء والجنون دون الجزم لتشويش الرؤية، إذ أن النبي معروف بالصدق والحكمة. فكأنما جعلوا تفسير الإخبار بالمعاد لا يخرج عنهما دون تعيين.
ويجيب القرآن على هذه التساؤلات بأن المشكلة ليست في الحقائق التي يبينها الرسول، ولا في أسلوبه، حتى يتهم بالكذب تارة، وبالجنون أخرى، إنما المشكلة في الكفار أنفسهم، ومشكلتهم هي ضيق الأفق فلا يستوعبون النشور بعد الموت، والسبب كفرهم وعدم اتباعهم المنهج السليم الذي يقودهم إلى الحقائق بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ قالوا: (إن العذاب هنا يقابل افتراءهم على رسولهم بالكذب، بينما الضلال يقابل نسبة الجنون عليه) [١].
[١] التفسير الكبير للرازي: ج ٢٥، ص ٢٤٤ نقل بالمعنى.