من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - اعملوا آل داود شكرا
مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ [١] وَتَمَاثِيلَ [٢] وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ [٣] وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [٤] اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ (١٣).
هدى من الآيات
استلهاما من اسمي الحميد العزيز لربنا عز وجل، وانطلاقا من الحديث عن البعث والنشور، وبيانا لبعض الشبهات التي يبثها المشركون إنكارا للمعاد يحدثنا هذا الدرس- من بدايته- عن استنكارهم الظاهر لحقيقة النشور بعد الموت والتمزق.
إن الكثير من الذين ينكرون الحقائق إنما ينكرونها لأنها أكبر من أفقهم وتفكيرهم الضيقين، وهذه من مشاكل البشر المعقدة، إنهم يكفرون بكل ما لم يصل إليه علمهم وعقلهم، ولكن الله يضرب لهؤلاء فكرة البعث فيقول: صحيح أن ذلك من المستحيلات بالقياس إلى القدرة البشرية، ولكنه ممكن عند الله الذي يجمع الزمان والأعضاء ليعيد الخلق من جديد. وحتى يكون هذا الحديث مقبولا من الناحية المنطقية والفطرية، يدعو ربنا هؤلاء إلى التفكر في الآيات من حولهم، لأنها من مظاهر القدرة لربنا الحميد.
ولعل لهذا التأكيد المتكرر في القرآن على ضرورة التفكر في آيات الله فائدة مهمة هي: إرساء قاعدة صلبة للبحث العلمي الرصين عند الإنسان الذي اعتاد- ومن أول يوم عملت حواسه- على هذه الآيات، وألفها حتى أصبحت لا تثير انتباهه، لكنه لو نظر إليها وكأنها جديدة وبقلب متفتح، وعقل منير، لازداد علما، وتوسع أفقه، مما يجعله أقدر على استيعاب الحقائق وتفهمها.
ثم يضرب القرآن لنا مثلا من حياة داود وابنه سليمان عليهما السلام حيث إن قصصهما تجليات لاسمي العزيز الحميد.
[١] محاريب: جمع محراب، والمحراب هو محل العبادة والصلاة، ولعل المراد بها المساجد، وإنما سمي محراباً لأنه محل المحاربة مع الشيطان والنفس.
[٢] تماثيل: جمع تمثال، وهو الشيء المصنوع من معدن أو طين أو حجر أو خشب، كتماثيل القصور والأشجار والأنهار وغيرها، وقال صاحب المجمع أنها تماثيل الحيوانات لأنها لم تكن محظورة في ذلك الوقت.
[٣] جفان كالجواب: الجفان هي القصاع وظروف الأكل، والجواب جمع جابية وهي الحوض العظيم يجبى فيه الماء.
[٤] قدور راسيات: جمع قدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وراسيات جمع راسية بمعنى الثابتة في الأرض، الكبير الذي يراد دوام الطبخ فيه يبنى في الأرض حتى لا يزول ولا يتحرك.